وقال ابنه القاضي أبو الحسين: ولأنه لما لم يستحل نطق الذراع المسمومة؛ لم يستحل عذاب الجسد البالي، واتصال العذاب إليه، بقدرة الله تعالى.
قال الحافظ ابن رجب (¬2): وقد يستدل لهذا أيضا، بأن عمر قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم تكلم أهل القليب، كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ فلم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وإنما قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، فدل على أن سماعهم حصل على أجساد (¬3) لا أرواح فيها، وقد دل القرآن على سجود الجمادات، وتسبيحها لله عز وجل وخشوعها له، PageV01P294 # فدل على أن فيها حياة تحسها، وإدراكا فلا يمنع مثل ذلك في جسد ابن آدم بعد مفارقة الروح له. والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال الحافظ: ويدل على ذلك، ما أخبر الله من شهادة الجلود والأعضاء يوم القيامة، وما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، في اختصام الروح والجسد يوم القيامة، فإنه يدل على أن الجسد يخاصم الروح ويكلمها وتكلمه، قال: ومما يدل على وقوع العذاب على الأجساد؛ الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر على الميت حتى تختلف أضلاعه، ولأنه لو كان العذاب على الروح خاصة لم يختص العذاب بالقبر، ولم ينسب إليه. انتهى.
والمعروف أن العذاب والنعيم على الأرواح والأجساد، وأن الأرواح لها نوع اتصال بالجسد، وبسبب ذلك يتألم الجسد ويتنعم والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV01P295
فصل
وأما تلاقي الأرواح في البرزخ، فقد روى مسلم بن إبراهيم الوراق من حديث أبي قتادة مرفوعا "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه، فإنهم يتزاورون في قبورهم" [وخرجه الترمذي، وابن ماجة غير أنهما لم يذكرا "أنهم يتزاورون في قبورهم"، وخرجه محمد بن يحيى الهمداني، في صحيحه بهذه الزيادة (¬1).
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أحسنوا كفانة موتاكم، فإنهم يتباهون، ويتزاورون في قبورهم" (¬2).
ذكره الحافظ ابن رجب في "أهوال القبور" بصيغة التمريض، ولفظه: يروى من حديث محمد بن مصفى، ثنا معاوية، عن أبي الزبير عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكره.
وخرج ابن أبي الدنيا عن راشد بن سعد أن رجلا توفيت امرأته، فرأى نساء في المنام، ولم ير امرأته معهن فسألهن عنها، فقلن إنكم قصرتم في كفنها، فهي تستحي أن تخرج معنا، فأتى الرجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، PageV01P296 # فأخبره فقال - صلى الله عليه وسلم -: "انظر هل إلى ثقة من سبيل" قال: فأتى رجلا من الأنصار قد حضرته الوفاة، فأخبره، فقال الأنصاري: إن كان أحد يبلغ الموتى بلغت، قال: فتوفي الأنصاري فجاء بثوبين مثرودين بالزعفران، فجعلهما في كفن الأنصاري، فلما كان الليل، رأى النسوة معهن امرأته، وعليهن الثوبان الأصفران (¬1).
قال الجلال السيوطي: هذا مرسل؛ لا بأس بإسناده (¬2).
وذكر ناصر السنة ابن الجوزي في "عيون الحكايات" بسنده عن محمد بن يوسف الفريابي قال: كانت امرأة بقيسارية، فتوفيت فرأتها بنتها في المنام فقالت: يا بنية: كفنتموني بكفن ضيق وأنا بين صواحباتي، أستحي منهن، وفلانة تأتينا في يوم كذا وكذا، ولي في موضع كذا أربعة دنانير، فاشتروا بها كفنا، وابعثوا به إلي معها قالت البنت: ولم أعلم أن لها في الموضع الذي ذكرته دنانير قالت: فنظرت فإذا الدنانير كما ذكرت، لم يكن بالمرأة التي ذكرت بأس، فلما كان بعد أعتلت، قال الفريابي: فجاءوني فقالوا: يا عبد الله: ما تقول؟ فقصوا علي القصة فذكرت الحديث الذي ورد أنهم يتزاورون في أكفانهم، فقلت: اشتروا لها كفنا، وذهبت البنت إلى المرأة فقالت: إن حدث بك حادثة الموت فإني أبعث إلى أمي بشيء تبلغيه، PageV01P297 # فماتت في اليوم الذي ذكرت ووضعوا الكفن معها في كفنها، فرأت البنت أمها في المنام فقالت: يا بنية قد أتتنا فلانة، ووصل إلي الكفن ما أحسنه جزاك الله خيرا، وذكره الحافظ ابن رجب بنحوه (¬1).