* * * PageV01P020
الفصل الثاني في فضل الموت وذكره
تقدم أن الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما وتبدل وانتقال من دار إلى دار.
أخرج أبو نعيم، عن بلال بن سعد أنه قال في وعظه: يا أهل الخلود ويا أهل البقاء إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما خلقتم للخلود والأبد، ولكنكم تنتقلون من دار إلى دار (¬1). وقال عمر بن عبد العزيز إنما خلقتم للأبد، ولكنكم تنتقلون من دار إلى دار (¬2). ومن هذا قول المعري في قصيدته الدالية (¬3).
خلق الناس للبقاء فضلت ... أمة يحسبونهم للنفاد
إنما ينقلون من دار أعما ... ل إلى دار شقوة أو رشاد
وأخرج الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير، وابن المبارك في الزهد، وابن أبي الدنيا، عن عبد الله بن عمرو PageV01P021 # رضي الله عنهما مرفوعا: "الموت تحفة المؤمن" (¬1).
والديلمي عن الحسين بن علي رضي الله عنهما مرفوعا: "الموت ريحانة المؤمن" (¬2).
وقالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الموت غنيمة والمعصية مصيبة والفقر راحة، والغنى عقوبة" (¬3).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اثنتان يكرهما ابن آدم: يكره الموت والموت خير له من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال [أقل] (¬4) للحساب" (¬5).
وأخرج الشيخان عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - بجنازة، فقال: "مستريح ومستراح منه". قالوا: يا رسول الله: ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: "العبد المؤمن PageV01P022 # يستريح من تعب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب" (¬1).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الدنيا سجن المؤمن (¬2) وسنته وإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة" بفتح أوله القحط والجدب. رواه ابن المبارك والطبراني من حديث عمرو بن العاص (¬3).
وأخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن، وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه كمثل رجل كان في سجن، فأخرج منه فجعل يتقلب في الأرض ويتفسح فيها (¬4).
وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر: "يا أبا ذر، الدنيا سجن المؤمن والقبر أمنه، والجنة مصيره، يا أبا ذر إن الدنيا جنة الكافر، والقبر عذابه، والنار مصيره" (¬5).
وقال ابن مسعود: حبذا المكروهان: الفقر والموت (¬6). وقال PageV01P023 # بعض السلف: بلغني أن أول سرور يدخل على المؤمن الموت؛ لما يرى من كرامة الله وثوابه.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله (¬1).
وعن أبي عنبة الخولاني الصحابي رضي الله عنه أنه قيل له: إن عبد الملك خرج هاربا من الطاعون. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما كنت أرى أني أبقى حتى أسمع بمثل هذا! أفلا أخبركم عن خلال كان عليها إخوانكم أولها: لقاء الله كان أحب إليهم من الشهد. والثانية: لم يكونوا يخافون عدوا قلوا أو كثروا. والثالثة: لم يكونوا يخافون عوزا من الدنيا، كانوا وأثقين بالله أن يرزقهم. الرابعة: إن نزل بهم الطاعون لم يبرحوا حتى يقضي الله فيهم ما قضى (¬2).
وقال أبو عبد ربه لمكحول: أتحب الجنة؟ قال: ومن لا يحب الجنة! قال: فأحب الموت، فإنك لن ترى الجنة حتى تموت.