فصل
قال الحافظ ابن رجب، في "أهوال القبور": وقد أطلع الله تعالى من شاء من خلقه وعباده، على كثير مما ورد في هذه الأحاديث، حتى سمعوه وشاهدوه عيانا، ونحن نذكر طرفا من ذلك.
وأخرج ابن أبي الدنيا، من طريق يزيد بن طريف قال: مات أخي فلما ألحد وانصرف الناس، وضعت رأسي على قبره، فسمعت صوتا يقول ما ربك فسمعت صوتا (¬1) ضعيفا أعرف أنه صوت أخي، وهو يقول الله، فقال الآخر: ما دينك؟ قال: الإسلام (¬2).
ومن طريق العلاء بن عبد الكريم، قال: مات رجل وكان له أخ ضعيف البصر، قال أخوه: فدفناه، فلما انصرف الناس، وضعت رأسي على القبر، فإذا أنا بصوت من داخل القبر، يقول من ربك؟ ومن نبيك؟ فسمعت صوت أخي وهو يقول: الله، قال الآخر: فما دينك؟ قال: الإسلام.
وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "القبور" (¬3) بلفظ آخر، وهو: قال: فإذا أنا بصوت من داخل القبر يقول: من ربك؟ ومن نبيك؟ فسمعت أخي يقول وعرفته، وعرفت صوته قال: الله ربي، ومحمد نبيي، ثم ارتفع شبه سهم من داخل القبر إلى أذني، فاقشعر جلدي، وانصرفت. PageV01P167
وقال الضحاك: توفى أخ لي، فدفن قبل أن ألحق جنازته، فأتيت قبره فاستمعت عليه، فإذا هو يقول: ربي الله، الإسلام ديني.
وخرج ابن أبي الدنيا حكاية في "كتاب القبور"، عن يزيد بن حوشب قال: كنت جالسا عند يوسف بن عمرو إلى جنبه رجل كأن شق وجهه صفحة من حديد، فقال له يوسف: حدث يزيد بما رأيت قال: كنت شابا قد أتيت هذه الفواحش، فلما وقع الطاعون قلت: أخرج إلى ثغر من هذه الثغور، ثم رأيت أن أحفر القبور، فإني لليلة بين المغرب والعشاء، قد حفرت قبرا، وأنا متكئ على تراب آخر، إذ أقبل بجنازة رجل، حتى دفن، في ذلك القبر، وسوينا عليه التراب (¬1) فأقبل طائران أبيضان من المغرب، مثل البعيرين، حتى سقط أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، ثم أثاراه، ثم تدلى أحدهما في القبر والآخر على شفيره، قال: فجئت حتى جلست على شفير القبر، وكنت رجلا لا يملأ جوفي شيء، قال: فضرب بيده إلى حقوه فسمعته يقول ألست الزائر لأصهارك في ثوبين تسحبهما كبرا تمشي الخيلاء فقال: أنا أضعف من ذلك، قال فضربه ضربة امتلأ القبر ماء أو دما (¬2) قال: ثم عاد فعاد عليه القول مثل الأول، حتى ضربه حتى فاض، ثلاث ضربات كل ذلك يقول له ويذكر أن القبر يفيض ماء أو دما قال: ثم رفع رأسه، فنظر إلي PageV01P168 # فقال: انظر أين هو جالس بلسه الله قال: ثم ضرب جانب وجهي، فسقطت فمكثت ليلتي حتى أصبحت، قال: ثم أخذت انظر إلى القبر على حاله، وأذكر جلوسي، وذكر نحو هذا وشبهه. وكذلك شوهد اتساع اللحد وانفراجه.
روى ابن أبي الدنيا، في كتاب "ذكر الموت"، عن أبي بكر بن أبي مريم عن الأشياخ قال: كان شيخ من بني (الجرمي) (¬1) (¬2) بالبصرة، وكان شيخا صالحا، وكان له ابن أخ يصحب الفساق، فكان يعظه فمات الفتى، فلما أنزله عمه في قبره، وسوى عليه اللبن، شك في بعض أمره فنزع بعض اللبن، فنظر في قبره فإذا فيه أوسع من جبانة البصرة، وإذا هو في وسط منها، فرد عليه اللبن وسأل امرأته عن عمله، فقالت كان إذا سمع المؤذن، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، يقول وأنا أشهد بما شهدت وأكفيها من تولى عنها. وأخرج ابن أبي الدنيا، في كتاب من "عاش بعد الموت"، حكاية (¬3) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن حول مريض لنا إذ هدأ وسكن حتى ما يتحرك منه عرق، فسجيناه وأغمضناه، وأرسلنا إلى ثيابه وسدره وسريره (¬4)، فلما ذهبنا لنحمله لنغسله تحرك، فقلنا سبحان الله! ما كنا نراك إلا قد مت، قال: فإني قد مت PageV01P169 # وذهب بي إلى قبري، فإذا إنسان حسن الوجه، طيب الريح قد وضعني في لحدي فطواه بالقراطيس، إذ جاءت إنسانة سوداء منتنة الريح قالت: هذا صاحب كذا، وهذا صاحب كذا، أشياء والله أستحيي منها، كأنما أقلعت عنها ساعته، قال: قلت: أنشدك الله أن تدعني وهذه، قالت: انطلق نخاصمك، فانطلقت إلى دار فيحاء واسعة، فيها مصطبة كأنها من فضة، وفي ناحية منها مسجد ورجل قائم يصلي، فقرأ سورة النحل، فتردد في مكان منها، ففتحت عليه فانفتل، فقال: السورة معك؟ قلت: نعم. فقال: أما إنها سورة النجم، ورفع وسادة قريبة منه، فأخرج منها صحيفة فنظر فيها فبادرته السوداء، فقالت: فعل كذا وفعل كذا، قال وجعل الحسن الوجه يقول: وفعل كذا وفعل كذا، وفعل كذا؛ يذكر محاسني.