تتمة في مسائل متفرقة
المسألة الأولى في خلود أهل الدارين فيهما
: أعني الجنة والنار أما خلود أهل الجنة فقد تقدم وهذا بالإجماع لا ينازع فيه أحد من أهل الفهم والاطلاع ممن يثبت وجود الجنة وأنها دار المعاد والجزاء من سائر الأديان.
فإن قلت: هذا غير مسلم مع شهرة الخلاف واطلاعك عليه وأنت وذكرك له في غير موضع وقد ذكره جماعة من الأئمة كالإمام ابن القيم في "حادي الأرواح" (¬1) والعلامة في "البهجة" وغيرهما. قلت: إن ذلك كذلك لكني ما أعد ذلك خلافا -لوجهين:
أحدهما: أن أول من ابتكر هذا القول جهم بن صفوان إمام الجهمية وليس له فيه سلف قط من الصحابة ولا من التابعين ولا من تابعيهم وإذا مضت هذه القرون الثلاث الذين هم خير هذه الملة مجمعة على أمر، ثم حدث من بعدهم من ليس هو مثل أدناهم وانتحل مقالة لا تعد مقالته خلافا، ولهذا لم يقل به أحد من أهل السنة وأنكره عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفروهم به وصاحوا به من أقطار الأرض. PageV03P1491
قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب "السنة" (¬1) عن خارجة بن مصعب أنه قال: كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل يقول الله سبحانه {أكلها دائم} [الرعد: 35] وهم يقولون: لا يدوم لها أكل ولا أهل، ويقول الله: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54)} [ص: 54] وهم يقولون ينفد ويقول الله: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل: 96] وهم يقولون: لا بقاء له.
الوجه الثاني أنه لا دليل لهذا القول إلا مجرد توهمات وقياسات فلسفية لا نعول على شيء منها معشر المسلمين.
فإن قلت: أليس يقول الله: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108)} [هود: 108].
قلنا بلى وهي دليل عليكم لا لكم فإن قوله تعالى: {عطاء غير مجذوذ} أي غير مقطوع ومن المعلوم أن غير المقطوع دائم لا محالة، وأما ما يخيل لكم من الاستئناء في الآية الكريمة فهو راجع للذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة يقول سبحانه إنهم خالدون في الجنة مادامت السماوات والأرض إلا مدة مكثهم في النار؛ قاله معمر عن الضحاك قال المحقق: وهو يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون الإخبار عن الذين سعدوا وقع عن قوم مخصوصين وهم هؤلاء.
والثاني: وهو الأظهر أن يكون وقع عن جملة السعداء PageV03P1492 # والتخصيص (¬1) في المذكورين هو في الاستثناء.
وقيل المعنى خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله من الزيادة على ذلك؛ كما تقول: أسكنتك داري حولا إلا ما شئت أي سوى ما شئت من الزيادة على الحول، وقيل هو استثناء لمدة المقام في البرزخ لأنهم محبوسون من الجنة فيه إلى أن يصيروا في الجنة ثم هو خلود الأبد فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرزخ.
وقالت فرقة: العزيمة قد وقعت لهم من الله بالخلود الدائم إلا أن يشاء الله خلاف ذلك؛ إعلام لهم بانهم مع خلودهم في مشيئة الله، وهذا كما قال لنبيه {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} [الإسراء: 86] وقوله: {فإن يشإ الله يختم على قلبك} [الشورى: 24] وقوله: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم} [ونس: 16] فهو إخبار منه سبحانه لعباده أن الأمور كلها بمشيئته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وثم أقوال أخر ومدارها بأن يقال أخبر سبحانه عن خلودهم في الجنة كل وقت إلا وقتا يشاء أن لا يكونوا فيها وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ وفي موقف القيامة وعلى الصراط وكون بعضهم في النار مدة، وعلى كل تقدير فهذه الآية من المتشابه وقوله فيها: {عطاء غير مجذوذ} (¬2) محكم. PageV03P1493