ونعم الله لا تحصى، وأياديه لا تستقصى {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34] والله سبحانه أعد لعباده المتقين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فصل
وأما طعام أهل الجنة، وشرابهم ومصرفه فقد قال تعالى: {إن المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43)} [المرسلات: 41 - 43]. وقال تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24)} [الحاقة: 24]. وقال تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73)} [الزخرف: 72، 73]. وقال: {مثل الجنة PageV03P1112 # التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم} [الرعد: 35]، وقال تعالى: {يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26)} [المطففين: 25، 26].
وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يأكل أهل الجنة، ويشربون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس" وفيه أيضا عنه أنهم قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: فما بال الطعام؟ قال: "جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد" (¬1).
قوله: فما بال الطعام؟ قال: "جشاء" كذا في جميع نسخ مسلم. قال الوقشي ولعله "فمال"؛ لأنه جاء في رواية الزبيدي "أن يهوديا" يعني حديث (¬2) ابن أرقم الذي أخرجه الإمام أحمد: قال في "مشارق الأنوار" والبال: يأتي بمعنى الحال كقوله ما بال هذه؟ أي: ما حالها وشأنها؟ فمعناه: ما بال عقبا الطعام؟ وما شأن عقباه؟ (¬3) وأخرج الإمام أحمد، والنسائي بإسناد صحيح عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي فقال: "يا أبا القاسم تزعم أن PageV03P1113 # أهل الجنة يأكلون ويشربون، قال: نعم. والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة. قال: فإن الذي يأكل، ويشرب يكون له حاجة، وليس في الجنة أذى، قال تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه". ورواه الحاكم في صحيحه بنحوه. (¬1)
وفي "حادي الأرواح" (¬2) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فتشتهيه، فيخر بين يديك مشويا" (¬3).
وأخرج الحاكم عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن في الجنة طيرا مثل البخاتي" فقال أبو بكر رضي الله عنه: "إنها PageV03P1114 # لناعمة يا رسول الله قال: "أنعم منها من يأكلها يا أبا بكر" (¬1).
وفي "حادي الأرواح" (¬2) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وكأس من معين} [الواقعة: 18]، يقول: الخمر {لا فيها غول} ولا صداع، وفي قوله: {ولا ينزفون} [الواقعة: 19]، لا تذهب عقولهم، وفي قوله: {وكأسا دهاقا (34)} [النبأ: 34]، ممتلئة، وفي قوله: {رحيق مختوم} [المطففين: 25]، يقول: الخمر ختم بالمسك. وقال علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه: "ختامه مسك: قال: خلطه وليس بخاتم يختم. قال المحقق: قلت يريد - والله أعلم - أن آخره مسك، فيخالطه، فهو من الخاتمة ليس من الخاتم. وعن مسروق: "الرحيق: الخمر، والمختوم: يجدون عاقبتها طعم المسك لا. وقال عبد الله في قوله تعالى: {ومزاجه من تسنيم (27)} [المطففين: 27]، قال: يمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفا وكذلك قال ابن عباس (¬3): "يشرب منها المقربون صرفا، وتمزج لمن دونهم". وقال عطاء: التسنيم: اسم العين التي يمزج منها الخمر" (¬4). PageV03P1115