فبطل أن يكون لأحد في الجنة لحية البتة ولذا قلت في معارضة من زعم أن لمن ذكر لحية:
لعمرك أهل الخلد مرد جميعهم ... كما صح في أخبار خير البرية
وما قيل في موسى الكليم وصنوه ... وآدم والصديق ليس بمثبت (¬1)
كذاك خليل الله ما صح أنه ... يرى في جنات الخلد يوما بلحية
وأما قوله: "ولا أسنان" هذا مما أتعبت نفسي في تصفح الطروس، والبحث في الدروس، ومراجعة الأساطين، ومراسلة الجهابذة الراسخين، وتأمل الدفاتر، وكشف الذخائر فلم أقف لذلك على أصل، ولم أظفر فيه بنقل لا بسند صحيح [ولا] (¬2) ضعيف ولا حسن ولا باطل ولا نحيف، وقد طالبت شيخنا بالأصل الوارد في ذلك، فحسر عليه، فقلت: إن لم يظهر لنا دليل هذا فلا ننظر إليه فإني والله لم أر فيه بعد شدة الفحص، ونصب النفس أثرا سوى أقاويل كحكايات الأولاد، ومثل هذا إنما يثبت بصحة سنده عن خير العباد فإن رأينا الدليل الثابت فهو المراد، وإلا فهو عندنا مردود سيما وقد ورد خلافه بأنه تضيئ الجنة من حسن ثنايا الحور العين. فإن قيل: لا يلزم أن تعيين الحور العين كأولاد آدم. قلنا: بل هم سواء حينئذ، والله تعالى أعلم. PageV03P1065
فصل
وأما أعلى أهل الجنة منزلة فهو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات} [البقرة 235] قال مجاهد وغيره: منهم من كلم الله موسى، ورفع بعضهم درجات هو محمد (¬1) - صلى الله عليه وسلم -، وفي حديث الإسراء المتفق عليه أنه - صلى الله عليه وسلم - لما جاوز موسى قال: "رب لم أظن أن يرفع على أحد" ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى.
وفي صحيح مسلم (¬2) عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة".
وفي صحيح مسلم أيضا عن المغيرة بن شعبة مرفوعا: "إن موسى عليه السلام سأل ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال: (يعني الله سبحانه وتعالى) رجل (أي: هو رجل) يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم PageV03P1066 # وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب. قال: رب فأعلاهم منزلة. قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم ترعين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر" (¬1).
وأخرج الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى خيامه، وأزواجه، ونعمه، وخدمه، وسرره مسيرة ألف سنة، وكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة (¬2) وعشية، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23)} [القيامة] (¬3) ولهذا الحديث طرق، وروي موقوفا على ابن عمر، ومرفوعا كما هنا والله سبحانه وتعالى أعلم.