إما أنه تعالى أعلمه بذلك بعد أن أعلمه بالأول وإما أنه ذكر الأول لمناسبة اقتضت ذلك، كما تقول: ليس في الدار إلا زيد وإن كان فيها غيره وأردت أن الذي ينبغي أن ينوه بذكره إنما هو زيد هذا ما ظهر لي وفيه نظر والله أعلم.
وفي صحيح مسلم، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: رجل يجيء بعدما PageV03P1014 # دخل أهل الجنة الجنة فيقال له: أدخل الجنة فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقول له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب فيقول له: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة: رضيت رب.
قال: رب فأعلاهم منزلة؟ دآل: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر". ومصداقه من كتاب الله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] (¬1). PageV03P1015
فصل في ذكر أول من يقرع باب الجنة
تقدم أن أول من يقرع باب الجنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأول من يدخلها من الأمم أمته.
وأخرج الطبراني عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "آتي باب الجنة فاستفتح فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك ولا أقوم لأحد بعدك" (¬1) وذلك أن قيامه إليه - صلى الله عليه وسلم - خاصة إظهار المرتبة ومرتبته، ولا يقوم في خدمة أحد بعده بل خزنة الجنة دونه يقومون في خدمته، وهو كالملك عليهم وقد أقامه الله في خدمة عبده ورسوله، حتى مشى إليه وفتح الباب.
وأخرجه مسلم في صحيحه عنه بلفظ: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك" (¬2).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أنا أول من يفتح له باب الجنة إلا أن امرأة تبادرني فأقول لها: ما لك أو ما أنت؟ فتقول: أنا أمرأة قعدت على أيتامي" (¬3). PageV03P1016
وفي الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلس ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم: عجبا إن لله من خلقه خليلا اتخذ الله إبراهيم خليلا وقال آخز: ماذا بأعجب من كلامه موسى كلمه تكليما، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه وقال آخر: آدم اصطفاه الله فخرج عليهم فسلم وقال: "سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجي الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر" قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا فخر" (¬1) (¬2) أي: ولا فخر أعظم من هذا الفخر.
وقال بعضهم: وعندي أن معناه أني لا أقول ذلك افتخارا واستكبارا بل على سبيل التنويه والتعريف والتذكر بنعم الله تعالى.
قال تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث (11)} [الضحى: 11]. PageV03P1017
فما قاله - صلى الله عليه وسلم - من باب التحدث بالنعم.
نكتة: لا بأس للعالم أن يذكر ما لديه من العلوم على سبيل التنويه ليقصد ويؤخذ عنه ذلك لا على سبيل الافتخار فإن ذلك مزلة إلى النار وبم يعجب العاقل وما لديه من العلم ليس من وسعه وقوته وإنما هو من فضل مولاه ومنته والله أعلم.