وهذا الداء قد فشى في الناس سيما في أهل العلم، فنسأل الله العافية والموازين الوافية، واعلم أن النصح من الحسود مفقود كما أن الوفاء من النساء ليس بموجود. وقد قلت في ذلك نظما وهو: PageV01P009
اسمع مقالة ناصح لك منصف ... يغنيك عن تسآل من لم يعرف
طلب الوفاء من النساء متعذر ... والنصح من شخص حسود منتف
/4/ والهيبة العظماء من ذي فاقة ... والحرمة اعدد من جهول مسرف
واحذر تسل يوما عدوك حاجة ... فلقد علمنا أنه لم يسعف
وقد رتبت هذا الكتاب على مقدمة وخمسة كتب وخاتمة. PageV01P010
المقدمة
في ذكر الموت وما يتعلق به، والروح
وتشتمل على ثمانية فصول (¬1):
الفصل الأول في النهي عن تمني الموت وحكمته
أخرج الإمام أحمد في الزهد، وابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن قال: لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: إن الأرض لا تسعهم. قال: إني جاعل موتا. قالوا: إذن لا يهنؤهم عيش. قال: إني جاعل أملا (¬2).
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: لما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال له ربه: ابن للخراب ولد للفناء (¬3).
واعلم أن الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وانتقال من دار إلى دار. وهو من أعظم المصائب، وقد حماه الله تعالى مصيبة في قوله: {فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: الآية 106]، فهو المصيبة العظمى، والرزية PageV01P011 # الكبرى، وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكير فيه وترك العمل له، مع أنه فيه عبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن أفتكر، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا" (¬1).
وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن تمني الموت والدعاء به لضر نزل به، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا، إن كان لابد متمنيا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي"، متفق عليه (¬2).
وفي رواية: "لا يتمنين أحدكم الموت، / 5/ ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا" (¬3). PageV01P012
وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد، أو مسيئا فلعله أن يستعتب" (¬1) أي: يرجع. لحال في "الصحاح" (¬2): أعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن الإساءة، واستعتب، وأعتب بمعنى.
وقال القرطبي في التذكرة: الاستعتاب طلب العتبى وهو الرضى، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنوب (¬3).
وأخرج الإمام أحمد والبزار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة" (¬4).
قال في النهاية (¬5): المطلع -بالتشديد-: مكان الاطلاع من موضع عال والمراد به هنا ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقب الموت تشبيها له بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال.
وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن نتمنى الموت لتمنيناه (¬6).