مقدمة ابن الديبع
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يسر الوصول، إلى جامع الأصول (1) من حديث الرسول، وسهل في نحو ثلث حجمه اختصاره، مع حسن الإيراد ولطف العبارة، والتلخيص لما يكثر شرحه ويطول، أحمده وأستغفره، وأستعين به وأستنصره، وأتوب إليه وأسأله القبول فله الحمد سبحانه على من به وأنعم، من خدمة حديث حبيبه المكرم، وبلغ بمتابعته السؤل، وله الشكر على أن جعلني من أمته، الملبين لدعوته، المقتفين لما يقول، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أعدها لجواب المسألة، ولكل هول مهول.
وأشهد أن محمدا عبده النبي الكريم، ورسوله الرءوف الرحيم، وحبيبه الشفيع المقبول المبين للناس ما نزل إليهم، والموصل لهم بشفقته عليهم، إلى خير مأمول.
صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه ومن هاجر إليه ما نقل مروي أو روى منقول، صلاة دائمة الاستمرار، مشرقة الأنوار، لا انقطاع لها ولا أفول.
أما بعد:
فإني وقفت على كثير مما دونه الأئمة من كتب الحديث في القديم والحديث، فلم أر فيها أكثر جمعا، ولا أحسن وضعا من كتاب: جامع الأصول (¬1) من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشرف وكرم وعظم الذي ألفه الإمام العلامة الكبير مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير، فجمع فيه PageV01P087 # أحاديث الأصول الستة المشهورة، صحيحي البخاري ومسلم، وموطأ الإمام مالك، وسنن أبي داود السجستاني، وجامع أبي عيسى الترمذي، وسنن أبي [2/ 1 ب] عبد الرحمن النسائي رحمهم الله تعالى، جمعا. رصيدا لطلابها - على ما اشتملت عليه من علومها وفوائدها - معينا، شكر الله تعالى مسعاه، وأحسن عاقبته ورجعاه.
فلقد أجاد فيه كل الإجادة، مع كثرة الجدوى وحسن الإفادة, وقد جرده في نحو ربع حجمه قاضي القضاة شرف الدين هبة الله بن البارزي (¬1) قاضي حماه - رحمه الله - في كتاب سماه: "تجريد الأصول من حديث الرسول" (¬2) فتداولته الطلبة لحسن اختصاره واعتماده على تجريد أخباره وآثاره.
قال قاضي القضاة في خطبة كتابه ما ملخص لفظه ومعناه: إن أبا الحسن رزين ابن معاوية العبدري (¬3) جمع الأصول الستة المذكورة، فكان كتابه أجمع الكتب في هذا الفن نفعا، PageV01P088 # وأنفعها جمعا حيث حوى الأصول الستة التي هي أمهات الحديث وأصولها، وبأحاديثها استدل العلماء وعمدتهم منقولها.
ثم إن الشيخ الإمام العالم مجد الدين أبا السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري ثم الموصلي، يعني: ابن الأثير - رحمه الله - نظر في كتاب رزين، الحاوي لهذه الأصول، فاختار له وضعا أجاد والله ترتيبه وتهذيبه، وأحسن تفصيله وتبويبه، فأبرزه في تأليف سماه: جامع الأصول من حديث الرسول فهو إذا نخبة المنخوب، وإنسان عين المطلوب.
فأفرغت الوسع في تحصيله وروايته، وعزمت على الاشتغال به ولو بمطالعته، وحين يسر الله - وله الحمد - روايته، تدبرته فوجدته بحرا زاخرة أمواجه، وبرا وعرة فجاجه، ورأيت ذلك لعدم همم بني الزمان، كالداعي إلى الإعراض عن هذا المهم العظيم الشأن.
فاستخرت الله تعالى في تجريد أخباره وآثاره، واستعنته على [3/ 1 ب] تلخيصه واختصاره، فألقيت عنه ما زاد على الأصول من شرح الغريب والإعراب، وألغيت منه ما ارتكبه من التكرير والإسهاب فليشتهر بتجريد الأصول قي أحاديث الرسول.