(باب أسرار الحج)
اعلم أن حقيقة الحج اجتماع جماعة عظيمة من الصالحين في زمان يذكر حال المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ومكان فيه آيات بينات، قد قصده جماعات من أئمة الدين معظمين لشعائر الله ومتضرعين راغبين وراجين من الله الخير وتكفير الخطايا، فإن الهمم إذا اجتمعت بهذه الكيفية لا يتخلف عنها نزول الرحمة والمغفرة، وهو
قوله صلى الله عليه وسلم: " ما رؤى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة " الحديث.
وأصل الحج موجود في كل أمة لا بد لهم من موضع يتبركون به لما رأوا من ظهور آيات الله فيه، ومن قرابين وهيآت مأثورة عن أسلافهم يلتزمونها بها؛ لانها تذكر المقربين وما كانوا فيه.
وأحق ما يحج إليه بيت الله، فيه آيات بينات، بناه إبراهيم صلوات الله عليه المشهود له بالخير على ألسنة أكثر الأمم بأمر الله ووحيه بعد أن كانت الأرض قفرا وعرا، إذ ليس غيره محجوج إلا وفيه إشراك أو اختراع ما لا أصل له.
ومن باب الطهارة النفسانية الحلول بموضع لم يزل الصالحون يعظمونه، ويحلون فيه، ويعمرونه بذكر الله، فإن ذلك يجلب تعلق همم الملائكة السفلية، ويعطف عليه دعوة الملأ الأعلى الكلية لأهل الخير، فإذا حل به غلب ألوانهم على نفسه، " وقد شاهدت ذلك رأي عين ".
ومن باب ذكر الله تعالى رؤية شعائر الله وتعظيمها، فإنها إذا رؤيت ذكر الله كما يذكر الملزوم اللازام لا سيما عند التزام هيآت تعظيمه وقيود وحدود تنبه النفس تنبيها عظيما.
وربما يشتاق الإنسان إلى ربه أشد شوق، فيحتاج إلى شيء يقضي به شوقه فلا يجد إلا الحج.
وكما أن الدولة تحتاج إلى عرضة بعد كل مدة؛ ليتميز الناصح من الغاش والمنقاد من المتمرد، وليرتفع الصيت، وتعلو الكلمة، ويتعارف أهلها فيما بينهم، فكذلك الملة تحتاج إلى حج ليتميز الموفق من المنافق،
وليظهر دخول الناس في دين الله أفواجا، وليرى بعضهم بعضا، فيستفيد كل واحد ما ليس عنده، إذ الرغائب إنما تكتسب بالمصاحبة والترائي.
وإذا جعل الحج رسما مشهورا نفع من غوائل الرسوم، ولا شيء مثله في تذكر الحالة التي كان فيها أئمة الملة والتحضيض على الأخذ بها.
ولما كان الحج سفرا شائعا وعملا شاقا لا يتم إلا بجهد الأنفس كان مباشرته خالصة لله مكفرا للخطايا هادما لما قبله بمنزلة الإيمان.