(باب أسرار الصوم)
اعلم أنه ربما يتفطن الإنسان من قبل إلهام الحق إياه أن سورة الطبيعة
البهيمية تصده عما هو كماله من انقيادها للملكية، فيبغضها، ويطلب كسر سورتها، فلا يجد ما يغيثه في ذلك، كالجوع والعطش، وترك الجماع والأخذ على لسانه وقلبه وجوارحه، ويتمسك بذلك علاجا لمرضه النفساني، ويتلوه من يأخذ ذلك عن المخبر الصادق بشهادة قلبه، ثم الذي يقوده الأنبياء شفقة عليه، وهو لا يعلم، فيجد فائدة ذلك في المعاد من انكسار السورة
وربما يطلع الإنسان على أن انقياد الطبيعة للعقل كمال له، وتكون طبيعته باغية تنقاد تارة، ولا تنقاد أخرى، فيحتاج إلى تمرين، فيعمد إلى عمل شاق كالصوم، فيكلف طبيعته، ويلتزم وفاء العهد، ثم، وثم حتى يحصل الأمر المطلوب.
وربما يفرط منه ذنب، فيلتزم صوم أيام كثيرة يشق عليه بإزاء الذنب، ليردعه عن العود في مثله.
وربما تاقت نفسه إلى النساء، ولا يجد طولا، ويخاف العنت، فيكسر شهوته
بالصوم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " فإن الصوم له وجاء ".
والصوم حسنة عظيمة يقوى الملكية، ويضعف البهيمية، ولا شيء مثله في صيقلة وجه الروح وقهر الطبيعة، ولذلك قال الله تعالى: " الصوم لي وأنا أجزى به "، ويكفر الخطايا بقدر ما اضمحل من سورة البهيمية، ويحصل به تشبه عظيم بالملائكة، فيحبونه، فيكون متعلق الحب أثر ضعف البهيمية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " وإذا جعل رسما مشهورا نفع عن غوائل الرسوم وإذا التزمه أمة من الأمم سلسلت شياطينها، وفتحت أبواب جنانها، وغلقت أبواب النيران عنها.
والإنسان إذا سعى في قهر النفس وإزالة رذائلها كانت لعملة صورة تقديسية في المثال، ومن أزكياء العارفين من يتوجه إلى هذه الصورة، فيمد من الغيب في علمه، فيصل إلى الذات من قبل التنزيه والتقديس، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " الصوم لي وأنا أجزى به ".
وربما يتفطن الإنسان بضرر توغله في معاشه وامتلاء حواسه مما يدخل عليه من خارج، وينفع التفرغ للعبادة في مسجد بني للصلوات، فلا يمكنه إدامة ذلك، وما لا يدرك كله لا يترك كله، فيختطف من أحواله فرصا، فيعتكف ما قدر له، ويتلوه المتلقي له من المخبر الصادق بشهادة قلبه، والعامي المغلوب عليه كما مر.
وربما يصوم ولا يستطيع تنزيه لسانه إلا بالاعتكاف.
وربما يطلب ليلة القدر واللصوق بالملائكة فيها، فلا يتمكن منها إلا بالاعتكاف ويسأتيك معنى ليلة القدر والله أعلم.