وبالجملة فالميل إلى صقيع الجبروت ووجوب العمل بما يفك وثاقه من مزاحمة اللطائف السفلية المؤاخذة على ترك هذا العمل بمنزلة أحكام الصورة النوعية وقواها وآثارها الفائضة في كل فرد من أفراد النوع من بارئ الصور ومفيض الوجود وفق المصلحة الكلية لا باصطلاح البشر والتزامهم على أنفسهم وجريان رسومهم بذلك فقط، وكل هذه الأعمال في الحقيقة حق هذه اللطيفة النورانية المنجذبة إلى الله وتوفير مقتضاها واصلاح عوجها، ولما كان هذا المعنى دقيقا وهذه اللطيفة لا تدركها إلا شرذمة
قليلة وجب أن ينسب الحق إلى ما إليه مالت وإياه قصدت ونحوه انتحت كان ذلك تعيين لبعض قوى النفس التي مالت من جهته، وكأن ذلك اختصار قولنا حق هذه اللطيفة من جهة ميلها إلى الله، فنزلت الشرائع الإلهية كاشفة عن هذا السر بعبارة سهلة يفهمها البشر بعلومهم الفطرية، ويعطيها سنة الله من إنزال المعاني الدقيقة في صور مناسبة لها بحسب النشأة المثالية، كما يتلقى واحد منا في منامه معنى مجردا في صورة شيء ملازم له في العادة أو نظيره وشبهه، فقيل العبادة حق الله تعالى على عباده، وعلى هذا ينبغي أن يقاس حق القرآن. وحق الرسول، وحق المولى، وحق الوالدين، وحق الأرحام، فكل ذلك حق نفسه على نفسه، لتكمل كمالها، ولا تقترف على نفسها جورا، ولكن نسب الحق إلى من معه هذه المعاملة، ومنه المطالبة، فلا تكن من الواقعين على الظواهر، بل من المحققين للأمر على ما هو عليه.
(باب تعظيم شعائر الله تعالى)
قال الله تعالى:
{ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}
اعلم أن مبنى الشرائع على تعظيم شعائر الله تعالى، والتقرب بها إليه تعالى، وذلك لما أومأنا إليه من أن الطريقة التي نصبها الله تعالى للناس هي محاكاة ما في صقع التجرد بأشياء يقرب تناولها للبهيمية، وأعني بالشعائر أمورا ظاهرة محسوسة جعلت ليعبد الله بها، واختصت به حتى صار تعظيمها عندهم تعظيما لله، والتفريط في جنبها تفريطا في جنب الله، وركز ذلك في صميم قلوبهم لا يخرج منه إلا أن تقطع قلوبهم، والشعائر إنما تصير شعائر
بنهج طبيعي، وذلك أن تطمئن نفوسهم بعادة وخصلة، وتصير من المشهورات الذائعة التي تلحق بالبديهيات الأولية، ولا تقبل التشكيك، فعند ذلك تظهر رحمة الله في صورة أشياء تستوجبها نفوسهم وعلومهم الذائعة فيما بينهم، فيقبلونها ويكشف الغطاء عن حقيقتها، وتبلغ الدعوة الأدانى والأقاصى على السواء، فعند ذلك يكتب عليهم تعظيمها، ويكون الأمر بمنزلة الحالف باسم الله يضمر في نفسه التفريط في حق الله إن حنث، فيؤاخذ بما يضمر، وكذلك هؤلاء يشتهر فيما بينهم أمور تنقاد لها علومهم، فيوجب انقياد علومهم، لها ألا تظهر رحمة الله بهم إلا فيما انقادوا له، إذ مبنى التدبير على الأسهل فالأسهل، ويوجب أيضا أن يؤاخذوا أنفسهم بأقصى ما عندهم من التعظيم لأن كمالهم هو التعظيم الذي لا يشوبه إهمال، وما أوجب الله تعالى شيئا على عباده لفائدة ترجع إليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل لفائدة ترجع إليهم، وكانوا بحيث لا يكملون إلا بالتعظيم الأقصى، فأخذوا بما عندهم، وأمروا ألا يفرطوا في جنب الله، وليس المقصود بالذات في العناية التشريعية حال فرد بل حال جماعة كأنها كل الناس، ولله الحجة البالغة.