وليس للأعوان حصر في عدد لكنه يدور على دوران حاجات المدينة، فربما تقع الحاجة إلى اتخاذ عونين في حاجة، وربما كفا عون لحاجتين، غير أن رءوس الأعوان خمسة.
القاضي، وليكن حرا ذكرا بالغا عاقلا كافيا عارفا بسنة المعاملات وبمكايد الخصوم في اختصامهم، وليكن صلبا حليما جامعا للأمرين، ولينظر في مقامين: أحدهما معرفة جلية الحال، وهي إما عقد أو مظلمة أو سابقة بينهما، وثانيهما ما يريد كل واحد من صاحبه أي الإراديتين أصوب وأرجح ولينظر في وجه المعرفة، فهنالك حجة لا يريب فيها الناس تقتضي الحكم الصراح، وحجة ليست بذاك تقتضي حكما دون الحكم الأول.
وأمير الغزاة، وليكن من شأنه معرفة عدة الحرب وتأليف الأبطال والشجعان ومعرفة مبلغ كل رجل في النفع وكيفية تعبية الجيوش ونصب الجواسيس والخبرة في بمكايد الخصوم.
وسائس المدينة، وليكن مجربا قد عرف وجوه صلاح المدينة وفسادها صلبا حليما، وليكن من قوم لا يسكتون إذا رأوا خلاف ما يرتضونه، وليتخذ لكل قوم نقيبا منهم عارفا؛ أخبارهم ينتظم به أمرهم ويؤاخذه بما عندهم.
والعامل، وليكن عارفا بكيفية جباية الأموال وتفريقها على المستحقين.
والوكيل، المتكفل بمعاش الملك فإنه مع ما به من الأشغال لا يمكن أن يتفرغ إلى إصلاح معاشه
(باب الارتفاق الرابع)
وهي الحكمة الباحثة عن سياسة حكام المدن وملوكها، وكيفية حفظ الربط الواقع بين أهل الأقاليم، وذلك أنه لما انفرز كل ملك بمدينته، وجبي إليه الأموال، وانظم إليه الأبطال أوجب اختلاف أمزجتهم وتشتت استعداداتهم أن يكون فيهم الجور وترك السنة الراشدة، وأن يطمع بعضهم في مدينة الآخرة، وأن يتحاسدوا، ويتقاتلوا باراء جزئية من نحو رغبة في الأموال والأراضي، أو حسد وحقد، فلما كثر ذلك في الملوك اضطروا إلى الخليفة، وهو من حصل له من العساكر والعدد ما يرى كالممتنع أن يسلب رجل آخر ملكه، فإنه إنما يتصور بعد بلاء عام وجهد كبير واجتماعات كثيرة وبذل أموال خطيرة تتقاصر الأنفس دونها وتحيله العادة، وإذا وجد الخليفة، وأحسن السيرة في الأرض، وخضعت له الجبابرة، وانقاد له الملوك تمت النعمة، واطمأنت البلاد والعباد، واضطر الخليفة إلى إقامة القتال دفعا للضرر اللاحق لهم من أنفس سبعية تنهب أموالهم، وتسبي ذراريهم، وتهتك حرمهم، وهذه الحاجة هي التي دعت بني إسرائيل إلى أن قالوا لنبي لهم. {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله}
وابتداء إذا أساءت أنفس شهوية أو سبعية السيرة، وأفسدوا في الأرض، فألهم الله سبحانه إما بلا واسطة أو بواسطة الأنبياء أن يسلب شوكتهم، ويقتل منهم من لا سبيل له إلى الإصلاح أصلا، وهم في نوع الإنسان بمنزلة
والعضو المؤف بالاكلة، وهذه الحاجة
هي المشار إليها بقوله تعالى:
{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع} الآية
وقوله تعالى:
{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} .
ولا يتصور للخليفة مقاتلة الملوك الجبابرة وإزالة شوكتهم إلا بأموال وجمع رجال، ولا بد في ذلك من معرفة الأسباب المقتضية لكل واحد من القتال والهدنة، وضرب الخراج والجزية، وأن يتأمل أولا ما يقصد بالمقاتلة من دفع مظلمة أو إزهاق أنفس سبعية خبيثة لا يرجي صلاحها، أو كبت أنفس دونها في الخبث بإزالة شوكتها، أو كبت قوم مفسدين في الأرض بقتل رءوسهم المدبرين لهم أو حبسهم أو حيازة أموالهم وأراضيهم أو صرف وجوه الرعية عنهم.