(الجهاد)
اعلم أن أتم الشرائع وأكمل النواميس هو الشرع الذي يؤمر فيه بالجهاد، وذلك لأن تكليف الله عباده بما أمر ونهى - مثله كمثل رجل مرض عبيده، فأمر رجلا من خاصته أن يقيهم دواء، فلو أنه قهرهم على شرب الدواء، وأوجره في أفواههم لكان حقا، لكن الرحمة اقتضت أن يبين لهم فوائد الدواء؛ ليشربوه على رغبة فيه، وأن يخلط معه العسل؛ ليتعاضد فيه الرغبة الطبيعية والعقلية.
ثم إن كثيرا من الناس يغلب عليهم الشهوات الدنية والأخلاق السبعية ووساوس الشطان في حب الرياسات، ويلصق بقلوبهم رسوم آبائهم، فلا يسمعون تلك الفوائد، ولا يذعنون لما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتأملون في حسنة، فليست الرحمة في حق أولئك أن يقتصر على إثبات الحجة عليهم، بل الرحمة في حقهم أن يقهروا؛ ليدخل الإيمان عليهم على رغم أنفهم بمنزلة إيجاد الدواء المر، ولا قهر إلا بقتل من له منهم بكناية شديدة وتمنع قوى، أو تفريق منعتهم وسلب أموالهم حتى يصيروا لا يقدرون على شيء، فعند ذلك يدخل أتباعهم وذراريهم في الإيمان برغبة وطوع، ولذلك كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر " كان عليك إثم الأريسيين.
وربما كان أسرهم وقهرهم يؤدي إلى إيمانهم، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:
" عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل ".
وأيضا فالرحمة التامة الكاملة بالنسبة إلى البشر أن يهديهم الله إلى الاحسان،
وأن يكبح ظالمهم عن الظلم، وأن يصلح ارتفاقاتهم وتدبير منزلهم وسياسة مدينتهم، فالمدن
الفاسدة التي يغلب عليها نفوس السبعية، ويكون لهم تمنع شديد إنما هو بمنزلة الأكلة في بدن الإنسان لا يصح الإنسان إلا بقطعه، والذي يتوجه إلى إصلاح مزاجه وإقامة طبيعته لا بد له من القطع، والشر القليل إذا كان مفضيا إلى الخير الكثير واجب فعله، ولك عبدة بقريش ومن حولهم من العرب كانوا بعد خلق الله عن الاحسان وأظلمهم على الضعفاء، وكانت بينهم مقاتلات شديدة، وكان بعضهم يأسر بعضا، وما كان أكثرهم متأملين في الحجة ناظرين في الدليل فجاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم " وقتل أشدهم بطشا وأحدهم نفسا حتى ظهر أمر الله، وانقادوا له، فصاروا بعد ذلك من أهل الإحسان، واستقامت أمورهم، فلو لم يكن في الشريعة جهاد أولئك لم يحصل اللطف في حقهم.
وأيضا فإن الله تعالى غضب على العرب والعجم، وقضى بزوال دولتهم وكبت ملكهم، فنفث في روع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبواسطته في قلوب أصحابه رضي الله عنهم أن يقاتلوا في سبيل الله؛ ليحصل الأمر المطلوب، فصاروا في ذلك بمنزلة الملائكة تسعى في إتمام ما أمر الله تعالى، غير أن الملائكة تسعى من غير أن يعقد فيهم قاعدة كلية، والمسلمون يقاتلون لأجل قاعدة كلية علمهم الله تعالى، وكان علمهم ذلك أعظم الأعمال، وصار القتل لا يسند إليهم إنما يسند إلى الآمر، كما يسند قتل العاصي إلى الأمير دون السياف، وهو قوله تعالى:
{فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} .
وإلى هذا السر أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:
" مقت عربهم وعجمهم " الحديث، وقال عليه السلام: " لا كسرى ولا قيصر " يعني المتدينين بدين الجاهلية.
وفضائل الجهاد راجعة إلى أصول: منها أنه موافقة تدبير الحق وإلهامه، فكان السعي في إتمامه سببا لشمول الرحمة، والسعي في إبطاله سببا لشمول اللعنة، والتقاعد عنه في مثل هذا الزمان تفويتا لخير كثير.