ومنه انتشار السباع الضارية والهوام المؤذية، فيجب السعي في إفنائها ومن باب كمال الحفظ بناء الأبنية التي يشتركون في الانتفاع بها كالأسوار والربط والحصون والثغور والأسواق والقناطر.
ومنه حفر الآبار واستنباط العيون وتهيئة السفن على سواحل الأنهار.
ومنه حمل التجار على الميرة بتأنيسهم وتأليفهم وتوصية أهل البلد أن يحسنوا المعاملة مع الغرباء، فإن ذلك يفتح باب كثرة ورودهم، وحمل الزراع على ألا يتركوا أرضا مهملة، والصناع أن يحسنوا الصناعات، ويتقنوها، وأهل البلد على اكتساب الفضائل كالخط والحساب والتاريخ والطب والوجوه الصحيحة من تقدمة المعرفة.
ومنه معرفة أخبار البلد ليتميز الداعر من الناصح، وليعلم المحتاج، فيعان وصاحب صنعة مرغوبة، فيستعان به.
وغالب سبب خراب البلدان في هذا الزمان شيئان أحدهما تضييقهم على بيت المال بأن يعتادوا التكسب بالأخذ منه على أنهم من الغزاة، أو من العلماء الذين لهم حق فيه، أو من الذين جرت عادة الملوك بصلتهم كالزهاد والشعراء، أو بوجه من وجوه التكدي، ويكون العمدة عندهم هو التكسب دون القيام بالمصلحة، فيدخل قوم على قوم، فينغصون عليهم، ويصيرون كلا على المدينة.
والثاني ضرب الضرائب الثقيلة على الزراع والتجار والمتحرفة والتشديد عليهم حتى يفضي إلى إجحاف المطاوعين واستئصالهم، وإلى تمنع أولي بأس شديد وبغيهم وإنما تصلح المدينة بالجباية اليسيرة وإقامة الحفظة بقدر الضرورة، قليتنبه أهل الزمان لهذه النكتة والله أعلم.
(باب سيرة الملوك)
يجب أن يكون الملك متصفا بالأخلاق المرضية، وإلا كان كلا على المدينة، فإن لم يكن شجاعا ضعف عن مقاومة المحاربين، ولم تنظر إليه الرعية
إلا بعين الهوان، وإن لم يكن حليما كاد يهلكهم بسطوته، وإن لم يكن حكيما لم يستنبط التدبير المصلح، وأن يكون عاقلا بالغا حرا ذكرا ذار أي وسمع وبصر ونطق ممن سلم الناس شرفه وشرف قومه، ورأوا منه ومن آبائه المآثر الحميدة، وعرفوا أنه لا يألو جهدا في إصلاح المدينة، هذا كله يدل عليه العقل، وأجمعت عليه أمم بني آدم على تباعد بلداتهم واختلاف أديانهم لما أحسوا من أن المصلحة المقصودة من نصب الملك لا تتم إلا به، فإن وقع شيء من إهماله رأوه خلاف ما ينبغي، وكرهته قلوبهم، ولو سكتوا سكتوا على غيظ.
ولا بد للملك من إنشاء الجاه في قلوب رعيته، ثم حفظه وتدارك الخادشات له بتدبيرات مناسبة، ومن قصد الجاه فعليه أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة مما يناسب رياسته كالشجاعة والحكمة والسخاوة والعفو عمن ظلم وارادة نفع العامة، ويفعل بالناس ما يفعل الصياد بالوحش، فكما أن الصياد يذهب إلى الغيضة، فينظر إلى الظباء، ويتأمل الهيئة المناسبة لطبائعها وعاداتها، فيتهيأ بتلك الهيئة، ثم يبرز لها من بعيد، ويقصر النظر على عيونها وآذانها، فمهما عرف منها تيقظا أقام بمكانه كأنه جماد ليس به حراك، ومهما عرف منها غفلة دب إليها دبيبا، وربما أطر بها بالنغم، وألقى إليها أطيب ما ترومه من العلف على أنه صاحب كرم بالطبع، وأنه لم يقصد بذلك صيدها، والنعم تورث حب المنعم، وقيد المحبة أوثق من قيد الحديد، فكذلك الرجل الذي يبرز إلى الناس ينبغي أن يؤثر هيئة ترغب فيها النفوس من زي ومنطق وأدب.
ثم يتقرب منهم هونا، ويظهر إليهم النصح والمحبة من غير مجازفة ولا ظهور قرينة تدل على أن ذلك لصيدهم، ثم يعلمهم أن نظيره كالممتنع في حقهم حتى يرى أن نفوسهم قد طمأنت بفضله وتقدمه، وصدورهم قد