(المحرمات)
الأصل فيها قوله تعالى:
{ولا تنكحوا ما نكح آبائكم}
إلى قوله:
{والله غفور رحيم} .
وقوله صلى الله عليه وسلم:
" أمسك أربعا وفارق سائرهن " وقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا تنكح المرأة على عمتها " الحديث، وقوله تعالى:
{الزاني لا ينكح إلا زانية} . الآية
اعلم أن تحريم المحرمات المذكورة في هذه الآيات كان أمرا شائعا في أهل الجاهلية مسلما عندهم، لا يكادون يتركونه، اللهم إلا أشياء يسيرة كانوا ابتدعوها من عند أنفسهم بغيا وعدوانا كنكاح ما نكح آباؤهم والجمع بين الأختين، وكانوا توارثوا تحريمها طبقة عن طبقة حتى صار لا يخرج من قلوبهم إلا أن تمزع وكان في تحريمها مصالح جليلة، فأبقى الله تعالى عز وجل أمر المحرمات على ما كان، وسجل عليهم فيما كانوا تهاونوا فيه.
والأصل في التحريم أمور:
منها جريان العادة بالاصطحاب والارتباط وعدم إمكان لزوم الستر فيما بينهم وارتباط الحاجات من الجانبين على الوجه الطبيعي دون الصناعي فإنه لو لم تجر السنة بقطع الطمع عنهن والإعراض عن الرغبة فيهن لهاحت مفاسد لا تحصى وأنت ترى الرجل يقع بصره على محاسن امرأة أجنبية، فيتوله بها، ويقتحم في المهالك لأجلها، فما ظنك فيمن يخلو معها، وينظر إلى محاسنها ليلا ونهارا؟ وأيضا لو فتح باب الرغبة فيهن ولم يسد، ولم
تقم اللائمة عليهم فيه أفضى ذلك إلى ضرر عظيم عليهن، فإنه سبب عضهن إياهن
عمن يرغبن فيه لأنفسهم، فإنه بيدهم أمرهن، وإليهم إنكاحهن أولا يكون لهن أن نكحوهن من يطالبهم عنهن حقوق الزوجية مع شدة احتياجهن إلى من يخاصم عنهن.
ونظيره ما وقع في اليتامى كان الأولياء يرغبون في مالهن وجمالهن ولا يوفون حقوق الزوجية فنزل:
{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} . الآية
بينت ذلك عائشة رضي الله عنها وهذا الارتباط على الوجه الطبيعي واقع بين الرجال، والأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت.
ومنها الرضاعة فإن التي أرضعت تشبه الأم من حيث إنها سبب اجتماع أمشاج بنيته وقيام هيكله، غير أن الأم جمعت خلقته في بطنها، وهذه درت عليه سد رمقه في أول نشأته، فهي أم بعد الأم وأولادها أخوة بعد الأخوة. وقد قاست في حضانته ما قاست، وقد ثبت في ذمته من حقوقها ما ثبت، وقد رأت في صغره ما رأت، فيكون تملكها والوثوب عليها ما تمجه الفطرة السليمة، وكم من بهيمة عجماء لا تلتفت إلى أمها أو مرضعتها هذه اللفتة فما ظنك بالرجال؟ وأيضا فإن العرب كانوا يسترضعون أولادهم في حي من الأحياء، فيشب فيهم الوليد، ويخالطهم كمخالطة المحارم، ويكون عندهم للرضاعة لحمة كلحمة النسب، فوجب أن يحمل على النسب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:
" يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ".
ولما كان الرضاع إنما صار سببا للتحريم لمعنى المشابهة بالأم في كونها سببا لقيام بنية المولود وتركيب هيكله وجب أن يعتبر في الأرضاع شيآن:
أحدهما القدر الذي يتحقق به هذا المعنى، فكان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات (يحر - من -، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ في القرآن. أما التقدير فلأنه لما كان المعنى موجودا في الكثير دون القليل وجب عند التشريع أن يضرب بينهما حد يرجع إليه عند الاشتباه، وأما التقدير بعشر فلأن العشر أول حد مجاوزة العدد من الآحاد وتدربه في العشرات، وأول حد يستعمل فيه جمع الكثرة ولا يستعمل فيه جمع القلة، فكان نصابا صالحا لضبط الكثرة المعتد بها المؤثرة في بدن