وقال صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان:
" إنكم قد وليتم أمرين هلكت فيها الأمم السابقة قبلكم " أقول: يحرم التطفيف لأنه خيانة وسوء معاملة، وقد سبق في قوم شعيب عليه السلام ما اقص الله تعالى في كتابه.
وقال: " أيما رجل أفلس، فأدرك رجل ماله بعينه، فهو أحق به " أقول: وذلك لأنه كان في الأصل ماله من غير مزاحمة، ثم باعه، ولم يرض في بيعه بخروجه من يده إلا بالثمن، فكان البيع إنما هو بشرط إيفاء الثمن، فلما لم يؤد كان له نقضه ما دام المبيع قائما بعينه، فإذا فات المبيع لم يمكن أن يرد المبيع، فيصير دينه كسائر الديون.
وقال صلى الله عليه وسلم: " من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه ".
أقول: هذا ندب إلى السماحة التي هي من أصول ما ينفع في المعاد والمعاش، وقد
ذكرناه.
وقال عليه السلام:
" مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع " أقول: هذا أمر استحباب لأن فيه قطع المناقشة.
وقال صلى الله عليه وسلم:
" لى الواجد يحل عرضه وعقوبته "، أقول: هو هذا أن يغلظ له في القول، ويحبس، ويجبر على البيع إن لم يكن له مال غيره.
وقال صلى الله عليه وسلم:
" الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما " فمنه وضع جزء من الدين كقصة ابن أبي حدرد، وهذا الحديث أحد الأصول في باب المعاملات
(التبرع والتعاون)
التبرع أقسام: صدقة إن أريد به وجه الله، ويجب أن يكون مصرفة ما ذكر الله تعالى في قوله:
{إنما الصدقات للفقراء} الآية
وهدية إن قصد به وجه المهدي له، قال صلى الله عليه وسلم: " من أعطى عطاء فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور "
اعلم أن الهدية إنما يبتغي بها إقامة الألفة فيما بين الناس، ولا يتم هذا المقصود إلا بأن يرد إليه مثله، فإن الهدية تحبب المهدي إلى المهدى له من غير عكس، وأيضا فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، ولمن أعطي الطول على من أخذ، فإن عجز فليشكره، وليظهر نعمته فإن الثناء أول اعتداد بنعمته وإضمار لمحبته، وأنه يفعل في إيراث الحب ما تفعل الهدية، ومن كتم فقد خالف عليه ما أراده، وناقض مصلحة الائتلاف، وغمط حقه،
ومن أظهر ما ليس في الحقيقة فذلك كذب، وقوله عليه السلام:
" كلابس ثوبي زور " معناه كمن تردى أو اتزر بالزور وشمل الزور جميع بدنه.
قال صلى الله عليه وسلم: " من صنع إليه معروف، فقال لفاعله:
جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء " أقول: إنما عين النبي صلى الله عليه وسلم هذه اللفظة لأن الكلام الزائد في مثل هذا المقام إطراء وإلحاح، والناقص، كتمان وغمط "، وأحسن ما يحيي به بعض المسلمين به بعضا ما يذكر المعاد، ويحيل الأمر على الله، وهذه اللفظة نصاب صالح بجميع ما ذكرنا.
وقال صلى الله عليه وسلم:
" تهادوا، فإن الهدية تذهب الضغائن " وفي رواية " تذهب وحر الصدر " أقول: الهدية وإن قلت تدل على تعظيم المهدى له، وكونه منه على بال، وأنه يحبه، ويرغب فيه، وإليه الإشارة في حديث "
لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاه " فلذلك كان طريقا صالحا لدفع الضغينة، ويدفعها تمام الألفة في المدينة والحي.