وقال صلى الله عليه وسلم: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطريق فلا شفعة " وقال عليه السلام:
" الجار أحق بعقبه ".
أقول: الأصل في الشفعة دفع الضرر من الجيران والشركاء، وأرى أن الشفعة شفعتان: شفعة يجب للمالك أن يعرضها على الشفيع فيما بينه وبين الله، وأن يؤثره على غيره، ولا يجبر عليها في القضاء، وهي للجار الذي ليس بشريك، وشفعة يجبر عليها في القضاء وهي للجار الشريك فقط، وهذا وجه الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب.
وقال صلى الله عليه وسلم: " من أقال أخاه المسلم صفقة كرهها أقال الله عثرته يوم القيامة " أقول: يستجب إقالة النادم في صفقته دفعا للضرر عنه، ولا يجب لأن المرء مأخوذ باقراره لازم عليه ما التزمه.
وحديث جابر رضي الله عنه بعته، واستثنيت حملانه إلى أهلى أقول: فيه جواز الاستثناء فيما لم يكن محل المناقشة وكانا متبرعين متباذلين لأن المنع إنما هو لكونه مظنة المناقشة.
قال صلى الله عليه وسلم:
" من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة " وقال لعلي رضي الله عنه حين باع أحد الأخوين: " رده ".
أقول: التفريق بين والده وولدهما يهيجهما على الوحشة والبكاء، ومثل ذلك حال الأخوين، فوجب أن يجتنب الإنسان ذلك.
قال الله تعالى: {إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذرا البيع}
أقول: يتعلق الحكم بالنداء الذي هو عند خروج الإمام، ولما كان الاشتغال بالبيع ونحوه كثيرا ما يكون مفضيا إلى ترك الصلاة وترك استماع الخطبة نهى عن ذلك.
وقيل: قد غلا السعر فسعر لنا فقال عليه السلام:
" إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة "،
أقول: لما كان الحكم العدل بين المشترين وأصحاب السلع الذي لا يتضرر به أحدهما، أو يكون تضررهما سواء في غاية الصعوبة تورع منه النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يتخذها الأمراء من بعده سنة، ومع ذلك فان رؤى منهم جور ظاهر لا يشك فيه الناس جاز تغييره فانه من الافساد في الأرض.
قال الله تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا إذ تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}
اعلم أن الدين أعظم المعاملات مناقشة وبأكثرها جدلا، ولا بد منه للحاجة، فلذلك أكد الله تعالى في الكتابة والاستشهاد، وشرع الرهن والكفالة، وبين إثم كتمان الشهادة، وأوجب بالكفاية القيام بالكتابة والشهادة، وهو من العقود الضرورية.
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال:
" من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم "
أقول: ذلك لترتفع المناقشة بقدر
الإمكان، وقاسوا عليها الأوصاف التي يبين بها الشيء من غير تضييق، ومبنى القرض على التبرع من أول الأمر، وفيه معنى الإعارة؛ فلذلك جازت النسيئة، وحرم الفضل، ومبنى الرهن على الاستيثاق، وهو بالقبض، فلذلك اشترط فيه، ولا اختلاف عندي بين حديث " لا يغلق الرهن الرهت من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه " وحديث " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة "؛ لأن الأول هو الوظيفة، لكن إذا امتنع الراهن من النفقة عليه، وخيف الهلاك، وأحياه المرتهن، فعند ذلك ينتفع به بقدر ما يراه الناس عدلا.