أقول: فيه تحقيق معنى العيد وكبح عنانهم عن التنسك اليابس والتعمق في الدين.
قوله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه " أقول: وذلك لأن صومها مفوت لبعض حقه ومنغص عليه بشاشتها وفكاهتها.
ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم " الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر "، وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة. وحفصة رضي الله عنهما: " اقضيا يوما آخر مكانه " إذ يمكن أن يكون المعنى إن شاء أفطر مع التزام القضاء، وأمرهما بالقضاء للاستحباب، فإن الوفاء بما التزمه أثلج للصدر، أو كان أمرا لهما خاصة حين رأى في صدرهما حرجا من ذلك كقول عائشة رضي الله عنها: رجعوا بحجة وعمرة ورجعت بحج فأعمرها من التنعيم.
قوله صلى الله عليه وسلم " من نسي وهو صائم، فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " أقول إنما عذر بالنسيان في الصوم دون غيره لأن الصوم ليس له هيئة مذكرة بخلاف الصلاة والإحرام فإن لهما هيآت عن استقبال القبلة والتجرد من المخيط، فكان أحق أن يعذر فيه.
قوله صلى الله عليه وسلم لمن وقع على امرأته في نهار رمضان " أعتق رقبة " الحديث أقول لما هجم على هتك حرمة شعائر الله وكان مبدؤه إفراطا طبيعيا وجب أن
يقابل بإيجاب طاعة شاقة غاية المشقة ليكون بين يديه مثل تلك فيزجره عن غلواء نفسه، ولا اختلاف بين حديث تسوكه صلى الله عليه وسلم، وبين قوله عليه الصلاة والسلام: " لخلوف
فم الصائم أطيب " الحديث، فإن مثل هذا الكلام إنما يرا به المبالغة كأنه قال: إنه محبوب بحيث لو كان له خلوف لكان محبوبا لحبه.
ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم " ليس من البر الصيام في السفر ذهب المفطرون بالأجر "، وقوله عليه الصلاة والسلام: " من كانت له حمولة تأوى إلى شبع فليصم رمضان حيثما أدركه " لأن الأول فيما إذا كان شاقا عليه مغضيا إلى الضعف والغشى، كما هو مقتضي قول الراوي: قد ضلل عليه أو كان بالمسلمين حاجة لا تنجبر إلا بالإفطار وهو قول الراوي: فسقط الصوامون وقام المفطرون، أو كان يرى في نفسه كراهية الترخص في مظانه وأمثال ذلك من الأسباب، والثاني فيما إذا كان السفر خاليا عن المشقة التي يعتد بها، والأسباب التي ذكرناها.
ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم " من مات وعليه صوم صام عنه وليه "، وقوله عليه الصلاة والسلام فيه أيضا " فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا إذا يجوز أن يكون كل من الأمرين مجزئا، والسر في ذلك شيآن: أحدهما راجع إلى الميت فإن كثيرا من النفوس المفارقة أجسادها تدرك أن وظيفة من الوظائف التي يجب عليها، وتؤاخذ بتركها
فأتت منها، فتتألم، ويفتح ذلك بابا من الوحشة، فكان الحدب على مثله أن يقوم أقرب الناس منه وأولادهم به، فيعمل عمله على قصد أن يقع عنه فإن همته تلك تفيد كما في القرابين، أو يفعل فعلا آخر مثله، وكذلك حال من مات وقد أجمع على صدقة تصدق عنه وليه، وقد ذكرنا في الصلاة على الميت ما إذا عطف على صدقة الأحياء للأموات انعطف، والثاني راجع إلى الملة، وهو التأكيد البالغ، ليعلموا أن الصوم لا يسقط بحال حتى الموت.