(صفة الوضوء)
صفة الوضوء على ما ذكره عثمان وعلي وعبد الله بن زيد وغيرهم رضى الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بل تواتر عنه صلى الله عليه وسلم وتطابق عليه الأمة أن يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، ويتمضمض، ويستنثر، ويستنشق، فيغسل وجهه فذراعيه إلى المرفقين، فيمسح برأسه، فيغسل رجليه إلى الكعبين، ولا عبرة بقوم تجارت بهم الأهواء، فانكروا غسل الرجلين متمسكين بظاهر الآية، فانه لا فرق عندي بين من قال بهذا القول وبين من انكر غزوة بدر أو أحد مما هو كالشمس في رابعة النهار، نعم من قال بأن الاحتياط الجمع بين الغسل والمسح أو أن أدنى الفرض المسح، وإن كان الغسل مما يلام أشد الملامة على تركه فذلك أمر يمكن أن يتوقف فيه العلماء حتى تنكشف فيه جلية الحال، ولم أجد في رواية صحيحة تصريحا بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بغير مضمضة واستنشاق وترتيب، فهى متأكدة في الوضوء غاية الوكادة، وهما طهارتان مستقلتان من خصال الفطرة ضمتا مع الوضوء ليكون ذلك توقيتا لهما، ولإنهما من باب تعهد المغابن، والوصل بينهما أصح من الفصل.
واداب الوضوء ترجع إلى معان (منها) : تعهد المغابن التى لا يصل إليها الماء إلا بعناية كالمضمضة والاستنشاق وتخليل أصابع اليدين والرجلين واللحية وتحريك الخاتم.
ومنها إكمال التنظيف كتثليث الغسل وكالاسباغ - وهو إطالة الغرة - والتحجيل والإنقاء - وهو الدلك - ومسح الأذنين مع الرأس والوضوء على الوضوء.
ومنها موافقة عاداتهم في الأمور المهمة كالبداءة بالإيمان، فإن اليمين أقوى وأولى، فكان أحق بالبداءة فيما كان بهما، واختصاصه بالطيبات، والمحاسن دون أضدادها فيما كان بأحداهما
ومنها ضبط فعل القلب بألفاظ صريحة في المراد، وضم الذكر اللساني مع القلب.
قوله صلى الله عليه وسلم: " لا وضوء لمن لم يذكر الله ". أقول. هذا الحديث لم يجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه وعلى تقدير صحته، فهو من المواضع التي اختلف فيها طريق التلقي من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد استمر المسلمون يحكون وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلمون الناس، ولا يذكرون التسمية حتى ظهر زمان أهل الحديث، وهو نص على أن التسمية ركن أو شرط، ويمكن أن يجمع بين الوجهين بأن المراد هو التذكر بالقلب، فإن العبادات لا تقبل إلا بالنية، وحينئذ يكون صيغة لا وضوء على ظاهرها، نعم التسمية أدب كسائر الآداب لقوله صلى الله عليه وسلم: " كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر، وقياسا على مواضع كثيرة، ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء لكن لا أرتضي مثل التأويل، فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ.
قوله صلى الله عليه وسلم: " فإنه لا يدري أين باتت يده ".
أقول: معناه أن بعد العهد بالتطهر والغفلة عنهما مليا مظنة لوصول النجاسة والأوساخ إليهما، مما يكون إدخال الماء معه تنجيسا له أو تكديرا وشناعة، وهو علة النهي عن النفخ في الشراب.
قوله صلى الله عليه وسلم: " فان الشيطان يبيت على خيشومه " أقول: معناه أن اجتماع المخاط والمواد الغليظة في الخيشوم سبب لتبلد الذهن وفساد الفكر، فيكون أمكن لتأثير الشيطان بالوسوسة وصده عن تدبر الاذكار:
قوله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ الوضوء، ثم يقول: أشهد الخ - وفي رواية - اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء ".