[مقدمة]
الحمد لله الذي جعلنا خير أمم أمة مرحومة مغفورة مثابة غاية كرم ومباركة لا يدري أولها خير
أو آخرها من شمول النعم من فضل أتى من قبل نبينا عليه التحية والكرم والسلام على أفضل رسله الذي بتبعيته يفاز بسعادة الدارين بل ينال إلى أقصى الرياستين وبمحافظة حدود شريعته يتنجى عن الأهوال والهلكات وبحراسة حمى سنته يوصل إلى قصوى الأماني والدرجات وعلى آله وأصحابه هم في خير القرون كانوا هم تبعوه، وجاهدوا معه وآووا وقد نصروا.
(وبعد) فمن أجلى البديهيات شرعا وأوضح اليقينيات عقلا أن الدنيا فان وآخر لباس الإنسان الأكفان وأن الارتحال منها كان وعدا مأتيا والشرب من كأس المنية حتما مقضيا أولها ضعف وفتور وآخرها موت وقبور فدار نفاق وشقاق وموطن عبور وفراق مشوبة بالفتن والشرور سلابة للأذواق والسرور عزها مع الذل محرم ونعمها مع النقم توأم فأولها خزي وغم وآخرها مذم وهم مناعة النعم أكالة الأمم منحها محن ومحنها منح ومنن فركونها ويل ووبال واعتمادها وزر وضلال.
رأيت الدهر مختلفا يدور ... ولا حزن يدوم ولا سرور
وشيدت الملوك بها قصورا ... فما بقي الملوك ولا القصور
ولا يوثق بالدولة فإنها ظل زائل ولا يعتمد على النعمة فإنها ضيف راحل، لو كان الدولات دائمة لكانوا كغيرهم رعايا لكن ليس للدولات دوام.
أين الآباء والأجداد وأين الأسلاف والأحفاد أين قياصرة القصور وأين هرامزة الدهور أين شداد وعاد وأين إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟
وإن في الآخرة دارا ليس فيها إلا عذاب شديد وعظيم البطش بمقامع الحديد وينابيع الصديد وعند النضج التبديل بالجديد والأخذ بالنواصي والأقدام واسوداد وجوه الأقوام والكب على الوجوه بالسلاسل والأغلال وسراويل القطران والأنكال يصب من فوق الرءوس الحميم ويصهر ما في البطون بحكم الحكيم وطعامهم زقوم وغساق وغسلين والعطش إلى انقطاع الأكباد وغل الأعناق إلى الإياد وليس الكل إلا وارد وليس فيها راحة ولا بارد وأنت في ذهول
وغفول بعيد وتقول النار هل من مزيد.
وإن فيها دارا أخرى أعدت للمتقين الذين في الله جاهدوا وصاروا من المهتدين إلى صراط مستقيم فيها نعيم مقيم وملك كبير عظيم ونضرة النعيم عزتها باقية ونعمها صافية وعن الفناء خالية ليس فيها لاغية وقطوفها دانية وأذواقها متوالية شرابها رحيق ولباسها حرير أنيق وسندس وإستبرق عميق فيها عين جارية وسرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة متكئين على أرائك مصفوفة.
فيها الولدان والغلمان وحور عين كاللؤلؤ والمرجان شكلات غنجات آمنات من الهرم مقصورات في الخيم يطاف عليهم بأكواب وأباريق من ماء معين بيضاء لذة للشاربين وفيها ما لا عين رأت ولا أذن وعت ولا على قلب خطرت وأعظم النعم القوية على الإطلاق رؤية الملك المقتدر على الاتفاق، وبما اشتهت أنفسهم خالدين فيها على الوفاق.
ولا شك أن الخلاص من الدار الأولى والوصول إلى الثانية في العقبى إنما يحصلان بالتشرع بالشرع المتين والتسنن بأصح السنن المكين والاحتراز عن البدع والمنكرات ودواعي فاسدات الميولات وتهذيب الأخلاق الرديئة وتحلية الملكات الحميدة وصدق المجاهدة في تحصيل الباقيات الصالحات وقهر إمارة النفس والميولات الفاسدات كما قيل الإسلام ذبح النفس بسيوف المجاهدة وترك الهوى بالمخالفة فإنها معينة للأعداء سائقة للأسواء، سيف الشيطان وآلة العصيان ومنشأ الطغيان أعدى الأعداء وبلاؤها أصعب البلوى وعلاجها أعسر الأشياء وداؤها أعضل الداء ودواؤها أشكل الدواء لأنها عدو من الداخل وليس لدفع ضره كافل