كيف قتل
فأذن بالحج وأخذ الأساكل كلها. ثم لما ضبطوا موجوده عند شقحب، وكان خرق خياما وأمتعة كثيرة لأجل النكاية توجهوا خلفه، فلما رأى العسكر من بعيد عرج عن الطريق إلى غابة القلنسوة، فلحقه قبل وصول العسكر رجل من شجعان الأكراد، وكان لما رأوا أولاد خزنته العساكر متوجهة إليه، تفرقوا عنه وهرب نحو الغابة، فأدركه فعوقه الأرمان، وكان الأرمان سبب حتفه، فضربه فرماه عن فرسه، ثم احتز رأسه فما وصل العسكر إلا كان قتل، فجاؤوا بالرأس إلى حضرة الباشاوات فوضعوه وسلخوه ومرادهم يرسلوه للأورام. وذلك يوم الأربعاء سادس صفر، فيكون أوله الجمعة.
تجهيز رأسه إلى الروم
ودخلوا الباشاوات يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر، ثم جهز رأسه للروم، والذي لم يلحق معهم كنخدا محمد باشا، فإنه رجع ولم يقم، وقيل: دخل الرأس المجهز للروم يوم الثلاثاء ثاني عشر، والباشاوات والعسكر يوم الخميس الرابع عشر من صفر، ثم أخذوا في ضبط مخلفاته وإقطاعه بحضور يوسف باشا ومحمد باشا شركس، وباش كاتب السيد أحمد أفندي الأسطواني، ورأوا عنده من التحف والذخائر شيء كثير جدا بالغ حد التعجب، وأرسلوا الحريم إلى دار أخرى غير دار ابن القواس، وكان أخذها وأنشأ بها قاعة عظيمة وكبكا بقبة، وعمر المحمدية ودير العصافير. وعمر هناك قاعة ظن أنها قلعة لأجل العصيان.
مصير أعوانه وحريمه
ثم رسم يوسف باشا ومحمد باشا على أتباعه، من أعيان جماعته، كديوان أفندي وأمير آخور، والمطرجي، وعلي باشة، ابن أخت ناصيف باشا. وجيء بهم للقلعة فحبسوا فيها. ثم إن يوسف باشا، باشة حلب قدم إليها، وكان نزل الباشا شركس الكافل في السرايا، ونزل هو دار صالح باشا.
قصيدة دمشقي في ظلم الأتراك
وعملوا في ناصيف التواريخ، فمنها ما ذكره بعضهم في صورة هذه القضية من توجه هذه العساكر، من بحر البسيط:
خبر الشام كم قاست من الوصب ... أهيلها من عظيم الخطب والنصب
وقد أتانا أناس ليس نعرفهم ... من ساير المدن مجموعين من سرب
باشاة عدتهم خمس وعسكرهم ... مثل الجراد إذا هدى على الرطب
أكراد قد وردوا في وسط شامتنا ... وسعوا القرى، وخلوا الناس في رهب
ورحلوا أهلها فورا بأجمعهم ... وأظهروا الخوف مثل النار في الحطب
وأطلقوا خيلهم ترعى مزارعنا ... ظلما وحتى رعوا للزرع والعنب
وقد أحاطوا بنا في كل ناحية ... مثل الصواعق قد مروا كما الشهب
وحاصرونا على الأفوات أجمعها ... من بعد ما نهبوا للورق والذهب
وقد علانا الغلا في كل ما نظرت ... فيه العيون كنوع الأكل والشرب
والخلق ضجوا وقد لجوا بأجمعهم ... مثل الزحام رمانا الدهر في الترب
في مبتدا صفر أرخ، وها وردوا ... عساكرا قصدوا ناصيف بالعطب