النوع الحادي عشر بعد المائة
علم تشبيه القرآن الكريم PageV05P465 # النوع الحادي عشر بعد المائة علم تشبيه القرآن الكريم التشبيه من أفضل أنواع البلاغة وأشرفها قال المبرد في الكامل لو قال قائل هو أكثر كلام العرب لم يبعد وقد أفرد تشبيهات القرآن بكتاب أبو القاسم ابن المنذر البغدادي سماه: الجمان. PageV05P466
قال ابن أبي الأصبع التشبيه هو إخراج الأغمض إلى الأظهر.
وقال غيره هو الحاق شيء ذي وصف في وصفه وقال بعضهم هو أن يثبت للشبه حكما من أحكام المشبه به والغرض منه تأنيس النفس بإخراجها من خفي إلى جلي وإدنائه البعيد من القريب ليفيد بيانا.
وقيل الكشف عن المعنى المقصود مع الاختصار.
وقال في التلخيص التشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى والمراد هاهنا ما يكن على وجه الاستعارة التحقيقية والاستعارة بالكناية والتجريد فدخل فيه نحو قولنا زيد أسد وقوله تعالى: {صم بكم} [البقرة: 18] PageV05P467 # والنظر في أركانه وهي طرفاه وهما المشبه والمشبه به ووجهه أي وجه الشبه بين المشبه والمشبه به وأداته وهي الكاف وما في معناها ومثل وما في معناها.
فأما طرفاه فهما إما حسيان كالخد والورد والصوت الضعيف والهمس والنكتة والعنبر والريق والخمر والجلد الناعم والحرير.
مثال ذلك قول الله جل شأنه: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39)} [يس: 39] وكقوله تعالى: {كأنهم أعجاز نخل منقعر} [القمر: 20]، {كأنهم أعجاز نخل خاوية} [الحاقة: 7]، وقوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59)} [آل عمران: 59] فهذه الأمثلة هما طرفان حسيان وهما المشبه والمشبه بع.
أو عقليان كقولنا زيد علمه كالحياة أي تحيا بعلمه القلوب كما تحيا الأجسام بالحياة.
أو مختلفان بأن يكون المشبه عقليا والمشبه به حسيا كقول الله تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف} [إبراهيم: 18] وكقوله تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24)} [إبراهيم: 24]، {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26)} [إبراهيم: 26]. PageV05P468
ويكون المشبه حسيا والمشبه به عقليا ولم يقع في القرآن ومنعه أهل البيان لأن العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها فإذا شبه المحسوس بالمعقول جعل الأصل فرعا والفرع أصلا وهو غير جائز.
قال في المطول: وأما ما جاء من الأشعار من تشبيه المحسوس بالمعقول فوجهه أن يقدر المعقول محسوسا ويجعل كالأصل لذلك المحسوس على طريق المبالغة فيصح التشبيه حينئذ.
أقول: إذا جعل لتشبيه المحسوس بالمعقول وجه فلأي شيء يمنع؟ بل ينبغي أن يجوز ذلك، فلو قال قائل الشمس كدليل فلان وحجته على هذه المسألة لصح ذلك. وقد وجد من هذا القبيل في كلام البلغاء ومنه قوله تعالى: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رءوس الشياطين (65)} [الصافات: 64، 65] فإن المشبه وهو شجرة الزقوم وأخبر الحق جل شأنه عنها فهي مما يدرك بالحاسة البصرية ولو في الدار الآخرة، وأما المشبه به وهو قوله تعالى: {كأنه رءوس الشياطين} [الصافات: 65] فمن القاعدة المعلومة المشهورة أن المشبه به لا بد أن يكون ظاهرا واضحا معلوما عند السامع حتى يشبه به غيره ولا وجود لرؤوس الشياطين في المحسوس لكن لما شاع وذاع قبح الشياطين وصفاتهم على لسان الأنبياء PageV05P469 # تمثل في العقل قبح صورهم وصارت ثابتة لديه فشبهت شجرة الزقوم بذلك لتصور قبح رؤوسهم في العقل.