خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
{رب يسر وأعن يا كريم}
الحمد لله الذي تجلى بالمعنى النفسي، والكلام القدسي، على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ففهم الخطاب، ودرك الجواب.
أوحى إليه باللفظ والمعنى، فعبر عنه بالعبارة الحسنى، أنزل عليه القرآن العظيم، والكتاب الكريم، مشتملا على العلوم الجليلة، والمعارف الجميلة، محتويا على نفائس المعاني، وعرائس المباني. حسن العبارة، لطيف الإشارة، فصيح الإيراد، واضح المراد، شفاء الصدور، ضياء السطور.
ألقاه عليه قولا ثقيلا، ورتله بحكمته ترتيلا، وأنزله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ليدخل في حيز عالم الأرض، ويكن لهم به الزيادة الحسنى. PageV01P077
ونوع وحيه بصفات من التجليات، وسمات من التنزلات.
ويسره قراءة للمؤمنين، وفهما للموقنين، فيجتني المتأمل فيه ثمار الحدائق، ويمتلئ المطالع فيه من أسرار الحقائق، يغني الناظر عن علوم الأولين والآخرين، ويكفي الطالب عن دفاتلر السابقين.
فلله در من حفظه وتأمله، وعمل بما فيه وتنبه لعلومه، وتبصر لمفهومه، وجال في أساليبه، وحاض في أعاجيبه، ونوع أنواعه، وفصل أقسامه، وعلم أول ما نزل منه وآخر ما نزل، وعرف اليوم الذي أنزل فيه وتنزل، ومدة فترته، وعجائب حكمته، ومكيه ومدنيه، وليليه ونهاريه، وصيفيه وشتائيه، وأرضيه وسمائيه، وأسباب نزوله، ومعاني مقطعات أوائل تنزيله, وظاهره، وباطنه، وحده، ومطلعه، وجمعه، وترتيبه، وفصله، وتسويره، وتعريبه، وعدد سوره وآياته، وحروفه وكلماته، وفضائله وفضائل سوره الشريفة، والفاضل والمفضول من آياته المنيفة، وآدابه وآداب تاليه، وحواصه، PageV01P078 # ونفعه لقارئه، ومعرفة حفاظه، ورواته، وقرائه، وقراءاته، وسنده الغالي، والنازل، والمتواتر، والآحاد، والشاذ، والمدرج، والمسلسل، والمتشاهر، وتأديته بالوقف والابتداء، والفتح والإمالة، وجسن الأداء، والإدغام، والإظهار، والإحفاء، والإقلاب، والمد والقصر، PageV01P079 # وتخفيف همزة المبتدأ، ونظر في تفسير معانيه، ومايحتاجه المفسر من آدابه، ومايفتقر إليه من معانيه، وماورد من التفسير مرفوعا لسيد الأنام، ومانقل عن آله وأصحابه الكرام، وماروي عن التابعين، ومانقل عن الأئمة المتبحرين، وميز بين الصحيح والسقيم، والمغوج والقويم، وفهم الغريب، وأعربه بضروب الأعاريب، واستشهد بشعر العرب، وتمثل بكلام أهل الأدب، وخاض في لغاته العربية، والمعربات العجمية. وعرف PageV01P080 # آيات الأحكام، وأحكمها غاية الإحكام، وعلم محكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وعامه وخاصه، ومجمله ومبينه، وناسخه ومنسوخه، ومشكله وما يوهم تناقضه، ومطلقه ومقيده، ومنطوقه ومفهومه، ووجوه PageV01P081 # مخاطباته، وأمثاله، وقصصه، وكناه، وألقابه، ومبهماته، وإعجازه، وعلومه المستنبطة منه، وفواتحه، وخواتمه، وفواصله، ومناسباته، وجدله، وأقسامه، ومفرداته، وحقيقته، ومجازه، واستعاراته، وكناياته، وحصره، واختصاصه، وإعجازه، وإطنابه، وفصله، ووصله، وبديعه، وبدائعه.
فلعمري من تبحر في هذا المعنى، فقد أوتي الحكمة، (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب).
فنسأل الله تعالى، أن يمنحنا معرفة كتابه العزيز، ويرشدنا لفهم معناه الرفيع الحريز، بمحمد نبي الرحمة، وشفيع الأمة، سيد العالمين، وخير العارفين والعالمين، صلى الله عليه وسلم أبدا، وعلى آله الأئمة الأخيار سرمدا، وعلى آله الصحب الأنجاب الأبرار، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم القرار، وبعد: PageV01P082