قال في "الفروع": وما سقي أو سمد بنجس من زرع وثمر، نجس محرم، نص عليه. وعند ابن عقيل: طاهر مباح، جزم به في "التبصرة". انتهى. ولا يسع الناس العمل بغيره، وعمل الناس عليه قديما وحديثا، وفاقا للأئمة الثلاثة، قاله شيخنا.
فائدة من كلام الشافعية
: الماء الذي يتغير بالعرق وأوساخ أبدان المغتسلين والمتوضئين إذا بلغ قلتين، فهو طهور وإن كثر التغير، لأنه تغير بطاهر يشق الاحتراز عنه. وهذا في السواقي والبرك يقع كثيرا، وهو طهور، من تقرير شيخنا أبي النصر نقله عن مرشد بن دبيان. انتهى. والظاهر عندنا كذلك، قاله شيخنا.
ومن كلام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
:
فصل: وأما الماء إذا تغير بالنجاسة فإنه ينجس بالاتفاق
وإن لم يتغير ففيه أقوال معروفة:
أحدها: لا ينجس، وهو قول أهل المدينة، ورواية المدنيين عن مالك وكثير من أهل الحديث، واحدى الروايات عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، ونصرها ابن عقيل في "المفردات" وابن المني وغيرهما.
ثم قال: PageV01P008
الثاني: ينجس قليل الماء بقليل النجاسة، وهي رواية البصريين عن مالك.
والثالث: وهو مذهب الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى، اختارها طائفة من أصحابه: الفرق بين القلتين وغيرهما، فمالك لا يحد الكثير بالقلتين، والشافعي وأحمد يحدان الكثير بالقلتين.
والرابع: الفرق بين البول والعذرة المائعة وغيرهما.
والصواب هو القول الأول، وإنه متى علم أن النجاسة قد استحالت، فالماء طاهر، سواء كان قليلا أو كثيرا، وكذلك في المائعات كلها. وقد ثبت من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: نتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟ فقال: "الماء طهور لا ينجسه شئ". قال أحمد: حديث صحيح، وهو في "المسند" أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الماء طهور لا ينجسه شئ". وهذا اللفظ عام في القليل والكثير، وهو عام في جميع النجاسات. وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع: منها الاستجمار بالحجارة، ومنها قوله في النعلين: "ثم ليدلكما بالتراب فإن التراب لهما طهور". ومنها قوله في ذيل المرأة: "يطهره ما بعده". فالراجح في هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان، زال حكمها، وإنما المقصود التنبيه على أن النجاسة من باب ترك المنهي عنه، فحينئذ إذا زال الخبث بأي طريق كان حصل المقصود. ثم قال:
الخامس: أن الماء ينجس بملاقات النجاسة مطلقا.
وأما روث ما لا يؤكل لحمه كالبغال والحمير، فهو نجس عند جمهور العلماء. وذهب طائفة إلى طهارتها، وأنه لا ينجس من الأرواث والأبوال إلا بول الآدمي وعذرته، فإذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس PageV01P009 # إلا بالتغير، إما مطلقا وإما مع الكثرة، فكذلك الصواب في المائعات. ثم قال:
الوجه السادس: إذا لم يكن لها في الماء والمائع طعم ولا لون ولا ريح لا نسلم أن يقال بنجاسته أصلا، كما في الخل المنقلبة وأبلغ، واطرد ذلك في جميع صور الاستحالة، فإن الجمهور على أن المستحيلات من النجاسة طاهرة، كما هو المعروف عند الحنفية والظاهرية، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، ووجه في مذهب الشافعي. انتهى.
ومن "روضة ابن عطوة" وفي "شرح العمدة" لبهاء الدين المقدسي: أن الماء لا ينجس حتى يتغير مطلقا. انتهى.