[مقدمة المصنف]
بسم الله الحمن الرحيم
وبه نستعين (أ)
الحمد لله الذي أوضح المحجة إلى معالم الاسلام، وأنار لعباده طرق الحلال والحرام، وهداهم بسنة نبيه محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- إلى ما أوصلهم به من بلوغ غاية المرام، وعرفهم به من العلم بكيفية استنباط الأحكام، واصطفى لتحمل شرعه الأغر صفوة من عترة (¬1) نبيه الكرام، وصحابته ذوي PageV01P003 # الإجلال والاحترام، ومن تبعهم بإحسان، المقتفين الأعلام فذادوا عن موارد سنته (أ) ما كاد يغشاها من ظلم (ب) حشو الكلام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة [لأجلها أرسل الله رسله فأوضح بها معالم الإسلام، وأنزل كتبه وشرع شريعته فهدى بها طرائق الحل والحرام] (ج)، أنجو بها من هول اليوم الجامع، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الأمي المختص بالكلم الجوامع والألفاظ النيرة الدوامغ اللوامع، المؤيد بالدلائل القواطع، والبراهين السواطع، الذي تشنفت بحديثه المسامع، وتزينت بإملائه المجامع، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الساطعة أنوارهم في أشرف المطالع، المقتفين لأثره فلا يحوم حول ذلك قاطع، الذين جعلهم نجوما يهتدى بهم في معالم الهدى، ومصابيح يكشف بهم ظلم الشك عن من اقتدى، فهم وسائل النجاة في المشتبهات، المشار إلى رفع قدرهم يقول الله عز من قائل: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} (¬1) صلاة دائمة متصلة البركات. PageV01P004
وبعد: فإنه لما كان العلم أشرف (أ) ما تحلي في الوجود، وأعز ما أنعم الله به على عباده من الجود نوه سبحانه بفضل من تحمله بأن جعلهم شاهدين على وحدانيته مذعنين بجلاله وفردانيته وأفردهم بحصر خشيته عليهم وكفى لهم فخرا بتخصيصهم بحميد ذكره وأورثهم المقام العالي لأنبيائه وأفضل نذره، وكان أفضل (ب) ذلك وأولاه بهذا المقام هو العلم المقتبس من مشكاة النبوة التي لا يطفأ نورها ولا يأفل بدورها وشموسها، وكان ذلك العلم الشريف يحتاج المنتفع به إلى تمييز الصحيح من السقيم وسلوك طريق الاعتبار ليكون العمل به جاريا على السنن المستقيم وهذه طريقة عزب نيلها، وبعد تحصيلها، وتقاعدت الهمم العوالي عن أن تشتري من سوقها لانتشار طريقها وتفرد بذلك أفراد من نحارير العلماء، وفرسان الحفاظ اللآثار النبوية النبلاء الفهماء، واختلفت طرائقهم في تدوين ذلك فبين مطول ومقتصر ومخلص ومختصر على اختلاف المقاصد وتباين المطالب واعتبار كل قاصد وطالب، وكان من أعظم المؤلفات في ذلك "التلخيص الحبير" (¬1) المعلق على شرح الرافعي الكبير للحافظ العلامة شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني الشهير بابن حجر فهو نسيج وحده، وفريد عصره، ثم أتبع على ذلك المنوال مختصره "بلوغ المرام في أدلة الأحكام" (¬2) صغير الحجم عظيم القدر، فلقد أجاد فيه وأفاد، ووقف (ج) الآخذ منه على كمال (د) PageV01P005 # المراد من استكماله (أ) أدلة الأحكام في جميع أبواب الفقه وأصول المسائل التي يمكن اللبيب أن يرد إليها أكثر الفروع في كل باب ويجتنى كل ثمرة تستطاب، ولكنه التزم في الإشارة إلى نقد الحديث الإجمال دون التوضيح، واكتفى بإطلاق لفظ صحيح وحسن وضعيف أو نحو ذلك عن إفادة التصريح من بيان الوجه ولو بطريق التلويح وكان ذلك غير كامل بما يطلب من الإفادة ولا واف بما قصد من الإجادة.