على أن ما تتبع به كلام الجوهري وتعقب، ونقر عنه بزعمه ونقب، أكثره مسبوق إليه، ومدخول فيه عليه، وكأنه حين أخذ يتبجح، ويترنح عجبا ويترجح، قد تمسك من العصمة بسبب، وأمن الهوي من الخطأ في صبب، وما علم أن للعجب آفة، والعاسف طريقه لا يأمن المخافة.
ولعل بعض من يصغي إلى هذا المقال، من متعصب أو حاسد أو قال، ينسبني فيه إلى العول، ويرميني بالهجر من القول، ظنا منه أن القاموس بحر لا تخاض لججه، ولا تقاض براهينه وحججه، ومن يعارض صاحب القاموس فإنما يقامس حوتا، ويحاول بطلا عن الحق مسحوتا.
وهيهات، إن الكتاب الذي لا ريب فيه إنما هو كتاب الله الذي لا يضل مقتفيه، PageV01P007 وما سواه فهو مظنة للاختلاف وإن كان لذي العلم أثيرا، بنص: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (1)، والحق أحق بالاتباع، ولا يتطاول عليه إلا قصير الباع، فلا يغرنك من سقط به جهله وهوى، وإياك والتمادي في أضاليل الهوى.
وإني في تأليفي لهذا الكتاب وتصنيفه، وتقريطي للسمع بدره وتشنيفه، لمعترف حقا والصدق منجاة، بأن المستبضع مقل والبضاعة مزجاة، غير أني أرجو السداد فيما اقتطفت واقتطعت، ولا أريد إلا الإصلاح ما استطعت، ثم لا بدع إن برز النزر على الجم، تبريز الرامح على الأجم، فللطش من نقع العطش ما ليس لليم الزاخر اللهم.
على أنك أيها الفطن الألمعي، واللقن اللوذعي، إذا وعيت ما أوعبت (2)، وفليت ما أمليت، رأيته قد حوى ما لم تحوه البحور المحيطة، وخيطت شواكله على ما خلت عنه المهارق البسيطة؛ فالجمهرة (3) وإن كانت البحر الخضم، لم تشتمل على ما اشتمل عليه وانضم، والصحاح (4) على صحة روايته، لم يحل ببلاغة معجز آيته، والمحكم (5) على إحكام نصوصه، لم ينطو على عيونه PageV01P008 وفصوصه، والعباب (1) على تلاطم أمواجه، لم يحتو على أفراد دره وأزواجه، والتهذيب (2) على خلاصته ونقاوته، لم يفز ببهجته وطلاوته، والمجمل (3) على إجماله وإيجازه، لم يحرز تفصيل حقيقته ومجازه، ولسان العرب (4) على جمعه وإحصائه، لم يحصل على حسن انتحائه وانتصائه، والقاموس (5) على سعة باحته، لم يحظ بعذوبته وملاحته.
ولا أدعي له الإنافة على هذه الكتب المنيفة في الإحسان، والزبر التي هي أساطين اللغة وقوانين اللسان، إلا بحسن الانتقاء والانتقاد، وتمييز النقادة من النقاد، وإيراد ما يروق ويحسن، وتستعذب جنى عذباته الألسن، إلى غير ذلك من النكت والملح، ونخب الموضوع والمصطلح، مع التقصي في البيان والتبيين، والتحري في التخصيص والتعيين، ورعاية المناسبة في سوق الكلمات، بين معانيها الملتئمات. PageV01P009
ثم إذا افتقر لفظ إلى شكله، مثلته بآخر من شكله، ومتى احتاج إلى إثبات في كشفه وفسره، شددت أسره وفككت من أسره، وكل ذلك مما يهدي إلى المراشد، ويدل على ضالة الناشد.
وأما ما يخص الكتاب والأثر، مما لا يقال فيه الفهم إن عثر، فإني أكشف من ألفاظه ما غرب واستبهم، وأبين من أغراضه ما أهم وأوهم، ولا أقنع في حل معتاصه، بذكره عموما دون اختصاصه، ليناله الطالب بأدنى إلمام؛ إذ كان موضوعا على حبل الذراع وطرف الثمام.
وقد سلكت في ترتيبه الطريق المأنوس، الذي رتب عليه الصحاح والقاموس، وهو أشهر الترتيب تداولا، وأسهله عند الطلب تناولا، وأما طريقة تحريره، وأسلوب تقريره، فإني أبدأ الفصل من الباب، باللغة العامة ثم الخاصة بالكتاب، ثم أجيء على الأثر بالأثر، ثم بالمصطلح فالمثل، هذا إذا اشترك الجميع في المادة، واشتبك في سلوك تلك الجادة، وإلا ذكرت ما اتفق؛ انفرد أو ارتفق، غير آل فيما قصدت جهدا، ولا مقصر عما أردت زهدا، على أني لا أبيعه بشرط البراءة من كل عيب، فقد أبى الله أن يصح إلا كتابه المبرأ من الريب.