المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, وصلاته وسلامه على سيد المرسلين, محمد وآله وصحبه الطيبين.
وبعد, فقد شرعت في شرح أبيات «مغني اللبيب» لابن هشام الأنصاري, أرجو من الله تعالى أن يوفقني. لإتمامه بمنه وكرمه, إنه على كل شيء قدير.
وبدأت بالكتابة في الساعة السابعة من الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك من السنة السادسة والثمانين بعد الألف من الهجرة, وببركته وبمنه يتم إن شاء الله تعالى.
أنشد في الخطبة
:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
هو من أبيات ليزيد بن محمد المهلي وهي:
وخل لنا كنا قديما نصاحبه ... تأمر فاعتاصت علينا مطالبه
إذا نحن غبنا عنه لم يجر ذكرنا ... وإن نحن جئنا صدنا عنه حاجبه
وما الثكل إلا حسن ظن بصاحب ... خذول إذا ما الدهر نابت نوائبه
فأجرر أخاك الحبل واترك جذا به ... فإنك جاذبته الحبل قاضبه
فإن المنيف الجون يخلف برقه ... وإن الحسام العضب تنبو مضاربه
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها .. البيت.
كذا نسبه إليه هارون بن علي بن يحيى في كتابه في «الشعراء المولدين» والحصري في كتاب «زهر الآداب» والدماميني في «المزج» عن أبي سعيد PageV01P001 # الأندلسي في كتابه السمى ب «ماوك الشعر» ورأيته في بعض كتب الأدب آخر أبيات لبشار بن برد وهي:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
وإن أنت لم تشرب مرارا على القذى ... طمئت وأي الناس تصفو مشاربه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها .. البيت ...
والظاهر أنه ملحق بهذه الأبيات, ألحقه بعض النساخ, فان أبا هلال العسكري أورد الأبيات الثلاثة المقدمة في كتابه «ديوان المعاني» لبشار بن برد ثم قال بعدها: وقال آخر: «ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها .. » البيت.
وفي هذا الروي والوزن والمعنى قول المغيرة بن حبناء, وهو أحد فرسان خراسان:
وخذ من أخيك العفو عفو ذنوبه ... ولاتك في كل الأمور تعاتبه PageV01P002 # فإنك لن تلقى أخاك مهذبا ... وأي امرئ ينجو من العيب صاحبه
أخوك الذي لا ينقض النأي عهده ... ولاعند صرف الدهر يزور حاجبه
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضى ... وإن غبت عنه لسعتك عقاربه
وفي هذا المعنى أشعار كثيرة, وأصلها قول النابغة الذبياني, وهو شاعر جاهلي وهو:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
وقوله: ومن ذا الذي, استفهام إنكاري, كقول النابغة: أي الرجال المهذب؟ وكقول الحريري في «مقاماته»:
سامح أخاك إذا خلط منه الإصابة بالغلط
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
وترضى بالبناء للمجهول, وسجاياه: نائب الفاعل, جمع سجية, وهي الغريزة والطبيعة, وكفى هنا بمعنى أجزأ وأغنى, فهو متعد لواحد كقوله:
قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل
ويجئ كفى بمعنى وقى فيتعدى إلى اثنين, كقوله تعالى: (وكفى الله المؤمنين القتال) [سورة الأحزاب /25].
والمرء بالنصب: مفعول كفى, وأن تعد معايبه: في تأويل مصدر مرفوع فاعل كفى, والنبل بضم النون: الشرف والفضل, وروي بدله «فضلا» بمعناه, PageV01P003 # وهو تمييز محول عن الفاعل, أي: أجزأ المرء فضل عد معايبه, أي الفضل الذي هو عد معايبه, جعل ذلك فضلا من جهة أنه ملزوم لكثرة المحاسن, وذلك لأن عد المعايب يقتضي بحسب العرف قلتها, إذ القليل هو الذي يتعرض لعده وإحصائه, وقلتها تستلزم كثرة المحاسن, وما أحسن قول مهيار الديامي: