مقدمة تشتمل على أمور ثلاثة
ينبغي ذكرها أمام الشروع في المقصود فنقول بعون الله المعبود
(الأمر الأول)
(في الكلام الذي يصح الاستشهاد به في اللغة والنحو والصرف)
قال الأندلسي في شرح بديعية رفيقه ابن جابر علوم الأدب ستة اللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع والثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب دون الثلاثة الأخيرة فإنه يستشهد فيها بكلام غيرهم من المولدين لأنها راجعة إلى المعاني ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم إذ هو أمر راجع إلى العقل ولذلك قبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري وأبي تمام وأبي الطيب وهلم جرا ه
وأقول الكلام الذي يستشهد به نوعان شعر وغيره فقائل الأول قد قسمه العلماء على طبقات أربع الطبقة الأولى الشعراء الجاهليون وهم قبل الإسلام كامرئ القيس والأعشى
الثانية المخضرمون وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كلبيد وحسان
الثالثة المتقدمون ويقال لهم الإسلاميون وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق الرابعة المولدون ويقال لهم المحدثون وهم من بعدهم إلى زماننا كبشار ابن برد وأبي نواس
فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إجماعا وأما الثالثة فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها وقد كان أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن البصري وعبد الله بن شبرمة يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم كما سيأتي النقل عنهم في هذا الشرح إن شاء الله في عدة أبيات أخذت عليهم ظاهرا وكانوا يعدونهم من المولدين لأنهم كانوا في عصرهم والمعاصرة حجاب قال ابن رشيق في العمدة كل قديم من الشعراء فهو محدث في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله وكان أبو عمرو يقول لقد أحسن هذا المولد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره يعني بذلك شعر جرير والفرزدق فجعله مولدا بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين قال الأصمعي جلست إليه عشر حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي وأما الرابعة فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقا وقيل يستشهد بكلام من يوثق به منهم واختاره الزمخشري وتبعه الشارح المحقق
فإنه استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من هذا الشرح واستشهد الزمخشري أيضا في تفسير أوائل البقرة من الكشاف ببيت من شعره وقال وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية فأجعل ما يقوله بمنزل ما يرويه إلا ترى إلى قول العلماء الدليل عليه بيت الحماسة فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه واعترض عليه بأن قبول الرواية مبني على الضبط والوثوق واعتبار القول مبني على معرفة أوضاع اللغة العربية والإحاطة بقوانينها ومن البين أن إتقان الرواية لا
يستلزم إتقان الدراية وفي الكشف أن القول رواية خاصة فهي كنقل الحديث بالمعنى وقال المحقق التفتازاني في القول بأنه بمنزلة نقل الحديث بالمعنى ليس بسديد بل هو بعمل الراوي أشبه وهو لا يوجب السماع إلا ممن كان من علماء العربية الموثوق بهم فالظاهر أنه لا يخالف مقتضاها فإن استؤنس به ولم يجعل دليلا لم يرد عليه ما ذكر ولا ما قيل من أنه لو فتح هذا الباب لزم الاستدلال بكل ما وقع في كلام علماء المحدثين كالحريري وأضرابه والحجة فيما رووه لا فيما رأوه وقد خطأوا المتنبي وأبا تمام والبحتري في أشياء كثيرة كما هو مسطور في شروح تلك الدواوين