نص الكتاب
...
معطية الأمان من حنث الأيمان
تأليف: العلامة أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد ابن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089ه
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه: أ. د/ عبد الكريم بن صنيتان العمري الأستاذ بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين1
الحمد لله الذي سمى نفسه بالأسماء الحسنى، وأكرم من شاء من خلقه بالمقام الأسنى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بالحنيفية، الشريعة السمحة البيضاء النقية، المنزل عليه في كتب كل علم قد حوى {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى} 2، وعلى آله وأصحابه القائمين بشريعته أحسن القيام، وعلى تابعيهم بإحسان إلى قيام الساعة وساعة القيام.
أما بعد: فلما تأملت قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} 3، علمت بذلك أن لهذه الأمة شرفا غيره به لا يقاس، إذ زكاها الله تعالى بقبول شهادتها، فوجب حمل أفعالها على الكمال بإرادتها، فمن لامها لوما غير مأمور به فقد اعترض على بارئها4، يشهد لذلك قوله عز من قائل: {ولكل وجهة هو موليها} 5 PageV01P053
ولقد قال من يعتد بقوله في هذا الشأن1: "إذا تكلم أحد بكلمة اضطربت فيها أقوال أهل الإتقان، فتسعة وتسعون قالوا كفر بهذا المقال، وواحد – فقط – قال: لا، وجب أن تحمل على ما هذا الواحد قد قال، ثم إن كان المتكلم مستندا إلى ذلك نجا أيضا في الآخرة، وإلا فهو والعياذ بالله تعالى من الفرقة الخاسرة".
هذا ولما كثر على الألسنة: الأيمان والطلاق، جمعت من ذلك مسائل مهمة في هذه الأوراق، لا لأن أعمل أو أجيب بقول ضعيف، بل لأحمل ما سمعت من ذلك على محمل لطيف، ولأرد جماح نفسي عن الوقع في العالم، بزمام "لا يعذب الله على مسألة قال بها عالم"2، على أني أبين في كل مسألة خلافية ما عليه العمل، مجتهدا في إخلائها مما يوجب الخلل والملل، وسميتها [معطية الأمان من حنث الأيمان] .
والله أسأل التوفيق لصالح الأعمال، والسلامة من سيء الأقوال والأفعال، إنه الجواد الكريم، الغفور الرحيم، وهو حسبي وكفى. PageV01P054
مقدمة
الحلف بالله تعالى، والحنث فيه، يعتري كلا منهما الأحكام الخمسة1، فيجب الحلف لإنجاء معصوم/2 من هلكة ولو نفسه كتوجه أيمان القسامة عليه وهو محق.
ويندب لمصلحة كإزالة حقد، وإصلاح بين المتخاصمين.
ويباح على فعل مباح/3 أو تركه كأكل سمك مثلا، أو تركه.
ويكره على فعل مكروه كأكل بصل وثوم نيء أو على ترك مندوب كصلاة الضحى.
ويحرم على فعل محرم كشرب خمر، أو على ترك واجب كنفقة على زوجة، أو كاذبا عالما بكذبه.
ثم الحنث كذلك4: فيجب على من حلف على فعل محرم، أو ترك واجب، ويسن لمن حلف على فعل مكروه، أو ترك مسنون، ويباح في مباح، ويكره لمن حلف على فعل مندوب، أو ترك مكروه، ويحرم على من حلف على فعل واجب أو ترك محرم. PageV01P055
تكرار الحلف
ولا يستحب تكرار الحلف1، ويكره الإفراط فيه2، لقوله تعالى: {ولا تطع كل حلاف مهين} 3، فإن لم يخرج إلى حد الإكثار فليس بمكروه4.
ومنهم من قال5: الأيمان كلها مكروهة لقوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} 6.
وهو معارض بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحلف كثيرا. وربما كرر اليمين الواحدة ثلاثا7 فإنه قال في خطبة الكسوف: "والله يا أمة محمد ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" 8 ولقيته امرأة من الأنصار معها أولادها9، فقال: "والذي نفسي بيده PageV01P056