الحمد لله حمدا يوافي نعمه بمنه وإفضاله، ويدافع نقمه بعزه وجلاله، ويكافئ مزيده بحسن فعاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وتابعيه في أقواله وأفعاله، ما دام المولى يتفضل على عبيده بنواله.
(أما بعد) : فهذا ما تيسر جمعه من الحواشي على المنهاج وشرحه للجلال المحلي، وعلى ما يحتاج إليه في المنهج وشرحه لشيخ الإسلام لم ينسج قبله على مثاله، مشتمل على المعتمد من الخلاف فيهما، ومبين لغوامض ما خفي من عبارتهما، ومنبه على دفع اعتراضات منهما ومن غيرهما، وجامع لما تفرق في الحواشي عليهما وغيرهما، مع زيادات يسر بها الناظر إليها، وفوائد مهمة يعرفها المطلع عليها، ومناقشات جمة محتاج للوقوف عليها ممن جرد فهمه عن التعسف واحتماله وخال عن الحشو والتطويل وعن العزو غالبا لإرادة التسهيل وكثرة الإفادة والتحصيل، وسرعة الاطلاع على المراد من أقواله، والله المسئول في النفع به على التعميم، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وسببا للفوز بالنعيم المقيم فإنه القادر على ذلك بكرمه وإجابة سؤاله وحسب من جعله وكيلا له في سائر أحواله. قوله: (على إنعامه) هو خبر ثان للحمد وقدم الأول لأن استحقاقه للذات وهذا للوصف، وقيد الحمد بالإنعام لوقوعه كالواجب أو واجبا لأنه مع عدمه محتمل للندب، ولم يذكر المنعم به لدفع توهم الخصوص وإفادة الإحاطة والشمول لكل ما يتعلق، به الإنعام للقصور عن تعداده إجمالا وتفصيلا. قوله: (والصلاة إلخ) سيأتي الكلام على الصلاة والسلام ومحمد، وأما السيد فيطلق على الشريف في قومه أو العظيم أو المقتدى به أو المالك، وأصله سيود بكسر الواو فقلبت ياء لتحركها واجتماعها مع الياء الساكنة السابقة عليها، ثم أدغمت فيها. وأما الآل فهم المؤمنون والمؤمنات من أولاد هاشم والمطلب، وقيل: عترته المنسوبون إليه من أولاده وأولاد بناته ما تناسلوا، وقيل: أمة الإجابة.
قال الأزهري: وهو الأقرب للصواب، واختاره النووي، وأصله أهل فقلبت الهاء همزة، وإن كانت أثقل منها، ليتوصل به إلى قلبها ألفا، وقيل: أصله أول بفتح الواو فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقيل: كل منهما أصل بدليل ما سمع من العرب من تصغيره على أهيل وأويل، واختاره بعض مشايخنا المتأخرين، ولا يضاف إلا إلى العقلاء من الأشراف، ولو ادعاء جبرا لما لحقه من التغيير، بخلاف أهل ولا ينافي ذلك تصغيره لأنه لبيان أصله ولإمكان استعماله فيمن هو دون غيره فليس للتحقير.
قوله: (وأصحابه) جمع صحب لا جمع صاحب لأنه لم يثبت، وصحب اسم جمع لصاحب، وقيل: جمع له، وهو بمعنى الصحابي، وهو من اجتمع مؤمنا بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حال نبوته في حياته وإن لم تطل صحبته له، أو لم يره، والمراد الاجتماع العرفي فيدخل نحو الأعمى والمجنون والنائم والصغير والخضر وعيسى - صلى الله عليهما وسلم -، ويخرج من رآه في النوم أو اجتمع به في السماء ليلة الإسراء ونحو ذلك ودخل في الصحابي الآدمي والجني والملك، وخرج بالمؤمن الكافر ولو حكما كالصغير واشتراط الموت على الإيمان لدوام الصحبة بعد موته لا لتسميته صحابيا، وعطف الصحب على الآل لتشمل الصلاة باقيهم من غير الآل فهو أعم مطلقا بالنظر لقيده السابق ومن وجه بعدم النظر له.