(فيأتون المعاصي في نشاط ... ويأتون الصلاة وهم كسالى)
قال ابن تيمية ومنهم طائفة ظنت أن كل ما خلق الله فقد أحبه وهؤلاء قد يخرجون إلى مذاهب الإباحة أيضا فيقولون إنه تعالى يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضي ذلك وأن العارف إذا شهد هذا الحكم لم يستقبح سيئة لشهوده القيومية العامة وخلق الرب لكل شيء ويقول شاعرهم
(ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من حمد ولا ذم)
قال وهذا غلط عظيم فإن الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة صريح بأن الله يحب أنبياءه وأولياءه وما أمر به ولا يحب الشياطين والكافرين ولا ما نهى عنه
قال ومن المدعين للمعرفة والحقيقة والفناء الذين يطلبون أن يكون لهم مراد مع الحق بل يريدون ما يريد الحق ومنهم من يقول إن الكمال أن تغنى عن إرادتك وتبقى مع إرادة ربك وليست الطاعات عندهم سبب للثواب ولا المعاصي سببا للعقاب والعارف عندهم من يكون مشاهدا سبق الحق بحكمه وعلمه أي يشهد إنه علم ما سيكون وحكم به أي أراده وقضاه وكتبه وكثيرا من أهل هذا المذهب يتركون الأسباب الدنيوية ويجعلون وجود السبب كعدمه وقد قال الإمام أحمد في قوم لا يعملون بالتكسب ويقولون نحن متوكلون هؤلاء مبتدعة
ومنهم قوم زنادقة يتركون الأسباب الأخروية ويقولون إن سبق العلم أننا سعداء فنحن سعداء وإن سبق أننا أشقياء فنخن أشقياء فلا فائدة في العمل فيتركون العمل بناء على هذا الأصل الفاسد
إذا تقرر هذا فالجواب عن الأول وهو أنه حيث المقدر كائن لا محاله فما فائدة العمل وهل له تأثير في رفع المقدور إلى آخره
الجواب الأول
فنقول لا ريب أن المقادير سابقة وقد جرى القلم بما هو كائن إلى الأبد قال إمام النووي في شرح مسلم إن الله تعالى قدر مقادير الخلق وما يكون من الأشياء قبل أن يكون في الأزل وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها
وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية إن علم الله تعالى السابق محيط بالأشياء على ما هي عليه ولا محو فيه ولا تغيير ولا زيادة ولا نقص فأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف كان يكون وأما ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ فهل يكون فيه محو وإثبات على قولين العلماء
قال وأما الصحف التي بيد الملائكة فيحصل فيها المحو والإثبات انتهى وقد بسطت الكلام على هذا في كتابي إتحاف ذوي الألباب في قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين الف سنة وعرشه على الماء
وفي حديث الإمام أحمد والترمذي قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة
وحديث أحمد ومسلم عن ابن عمر وكل شيء بقدر حتى العجز والكيس وفي القرآن العزيز {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} وفيه أيضا {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} والآيات والأحاديث في مثل هذا كثيرة والمقصود هنا أن من شهد هذا المشهد فشهوده حق لكن وراء هذا المشهد مشهد آخر وهو أن يشهد المقادير مقدرة بأسبابها لأنه يشهدها مجردة عن الأسباب فإنه إن شهد ذلك كان شهوده ناقصا أعمى وينشأ له الغلط من أن الأعمال لا تنفع وأن الأسباب لا تفيد وهو قول مبني على أصل فاسد ولا ريب أن هذا الأصل الفاسد الذي وقع فيه بعض المتصوفة ومن التحقق بهم هو مخالف للكتاب والسنة وأئمة الدين ومخالف صريح المعقول ومخالف للحس والمشاهدة فأن الله تعالى أجرى عادته الإلهية في هذا العالم على أسباب ومسببات تناط بتلك الأسباب وينسب أيضا وقوعها إليها نظرا للصورة الوجودية وإن كان الكل في الحقيقة بقضائه وقدره بأعتبار الحقيقة الإيجادبة