الفصل الرابع
فائدة فيما يجوز أن يكون ناسخا ومنسوخا
وذلك خمسة أقسام
الأول
نسخ القرآن بالقرآن وهو ثابت بالإجماع كقوله تعالى {ما ننسخ من آية} أي حكم آية {أو ننسها}
أي نتركها فلا ننسخها أو نؤخر حكمها فيعمل به حينا نأت بخير منها
أي أنفع منها
ثم قال تعالى {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} من أمر الناسخ والمنسوخ لأن إثباتهما في القرآن دلالة على الوحدانية {ألا له الخلق والأمر}
الثاني نسخ السنة بالقرآن
وفيه خلاف بين العلماء فمنهم من منع ومنهم من أجاز وعلى الجواز أكثر الأئمة وجمهور العلماء
فمن منع احتج بأن السنة مبينة للقرآن فلا يجوز أن يكون المبين ناسخا للمبين لأن نسخ ما يبين الشيء داع إلى عدم البيان
قال تعالى {لتبين للناس ما نزل إليهم}
وقال تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} الآية
وأجيب عن الجمهور
بأن هذا ليس بدافع لما قالوا به من الجواز لأنه إذا جاز نسخ القرآن بالقرآن وهو الذي لا يجوز على منزله البداء فيه فأحرى وأولى أن يكون القرآن ناسخ فعل من يجوز عليه البداء
ألا ترى أن عليه الصلاة والسلام كان قد أحل المتعة في بعض الغزوات ثلاثة أيام وأمر المسلمين بالتوجه إلى بيت المقدس في الصلاة ورد من جاء مهاجرا من المشركين للمعاهدة وغير ذلك من أفعاله التي نسخها الله تعالى بما أنزل عليه نحو ما نسخ سبحانه من فعله عليه الصلاة والسلام وفعل أصحابه بما كانوا عليه في الكلام في الصلاة بقوله تعالى {وقوموا لله قانتين}
ونحو استغفاره عليه السلام لعمه نسخ بقوله تعالى {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} وهو كثير في القرآن
قلت هذا حاصل ما قالوه وفي الحقيقة لا خلاف بين الفريقين لأن من أجاز نسخ السنة بالقرآن أطلق في السنة ومن منع قيد السنة المبينة للقرآن ولا شك أن المبين للقرآن من السنة لا ينسخ ولو سلمنا نسخ السنة المبينة للقرآن لرجع فيالحقيقة إلى نسخ القرآن بالقرآن فإذا لا خلاف بين الفريقين بحسب الحقيقة فأفهم
فأني لم أر أي حرج بالجمع بين كلام الفريقين ويؤيد ما قلته قول بعض المحققين أن المبين من السنة للقرآن نوع على حدته لا يسمى ناسخا ولا منسوخا
الثالث نسخ القرآن بالسنة المتواترة
وهذا أيضا فيه خلاف كثير بين العلماء فمنهم من أجاز ومنهم من منع
فقال المجيز إن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث ناسخ لقوله تعالى {الوصية للوالدين} الآية
واحتج بقوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وبقوله تعالى {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} فعمم ولم يخصص فوجب علينا قبوله
وقال المانع القرآن معجزة والسنة غير معجزة فلا ينسخ المعجز من القرآن ما ليس بمعجز من السنة
واحتج بأن السنة مبينة للقرآن ولا يكون المبين للشيء ناسخا
واستدل على المنع بقوله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} والسنة ليست مثل القرآن إذ هي محدثة والقرآن غير محدث
قلت هذا استدلال ظاهري فيه ما فيه وأجاب أي المانع عن قوله {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} أي
ما أعطاكم مما أنزل عليه من الكتاب فخذوه واقبلوه وصدقوا به
وعن قوله تعالى {وما ينطق عن الهوى} أي الذي يأتيكم به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن هو من عند الله