الفصل الرابع
ذكر نزول القرآن الكريم
ذهب جمهور العلماء إلى أن القرآن نزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وكان النازل به جبريل فوضعه في بيت العزة وأملاه على السفرة ثم نزل بعد ذلك نجوما في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين
والسر في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا التفخيم لأمره وأمر من نزل عليه وإعلاما لسكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل
ونزوله بعد ذلك منجما لحكمة إلهية اقتضت ذلك بحسب الوقائع واختلفوا في المنزل به فقيل اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به
وقيل المعنى خاصة وأنه عليه السلام علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب بدليل {نزل به الروح الأمين على قلبك}
وقيل أن جبريل ألقى عليه المعنى وأنه عبر عنه بلغة العرب وأهل السماء يقرأونه بالعربية ثم أنزل به كذلك وذكر بعضهم أن اللغات التي نزل بها كلام الله ثلاث
العربية والعبرانية والسريانية
فالقرآن بالعربية والتوراه بالعبرانيه والإنجيل بالسريانية
فهذه العبارات جميعها كلام الله من غير خلاف بين العلماء لأنه يفهم منها كلام الله القائم بالنفس
واجمعوا على أن المحفوظ في الصدور والمقروء بالألسن والمكتوب في المصاحف يقال له كلام
الفصل الخامس
ذكر جمع القرآن العظيم
قد اشتهر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أول من جمع المصاحف وليس كذلك بل أول من جمعها في مصحف واحد وأبو بكر الصديق رضي الله عنه قال العلماء كان القرآن في زمن الرسول مفرقا في صدور الرجال ولم يحفظه إلا ثلاثة زيد بن ثابت وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وزاد بعضهم وسالم مولى أبي حذيفة
وقد كتب الناس منه في صحف وفي جريد وخرق وأقتاب وأكتاف وأحجار وغير ذلك فلما وقع القتل في أهل اليمامة في خلافة الصديق رضي الله عنه قتل كثير من حملة القرآن فجاء عمر رضي الله عنه فقال قد علمت من قتل من حملة القرآن وأني أخشى أن يقع القتل في العراق والمواطن فيذهب كثير من القرآن وأني أرى أن تأمر بجمع القرآن
فقال لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال عمر هو والله خير فلم يزل يراجع أبا بكر في ذلك إلى أن شرح الله صدر أبي بكر لذلك فأرسل إلى زيد بن ثابت
فقالا يا زيد أنت رجل شاب وأنت تكتب الوحي فتتبع القرآن فاجمعه
قال زيد والله لو كلفاني نقل جبل لنقلته ولكان أهون علي مما أمراني به من جمع القرآن
فقلت لهما كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالا هو خير فلم يزالا يراجعاني حتى شرح الله صدري لما شرح الله صدرها
وإنما اختارا زيد لما روى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن على جبريل في كل رمضان مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عليه الصلاة والسلام عرض عليه مرتين فقرأه زيد آخر العرض فلذلك اختاراه
قال فتتبعت القرآن من الرقاع والأكتاف والأقتاب والجريد وصدور الرجال
وروى أنه فقد آخر سورة التوبة {لقد جاءكم رسول} إلى آخرها فوجدها مع خزيمة الأنصاري لم يجدها مع غيره فألحقها في سورتها
وفي رواية فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا الصحف كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها فلم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} فألحقناها في سورتها