فثبت بما قررناه أن مكة أفضل من المدينة وهو مذهب الجمهور خلافا للإمام مالك رضي الله عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV01P045
المسألة الخامسة في مضاعفة السيئات كالحسنات في البلد الحرام
اعلم -وفقك الله تعالى- أنه لا خصوصية لمضاعفة الحسنات بالبلد الحرام؛ بل السيئات كذلك؛ فقد علم من الشريعة الغراء والملة الزهراء، تضاعف الذنب في شرائف الأزمان والأحوال؛ فكذا في شرائف الأمكنة.
ألا ترى ما يترتب على الرفث في رمضان؟
وفي مدة الإحرام؟
وما يترتب من تغليظ دية الخطأ في الحرم والإحرام والشهر الحرام؟ فيجب مع اجتماع كلها في قتل الخطأ ديتان.
وانظر إلى قول الله تعالى لنساء نبيه: {من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين}.
فتأمل كيف صارت معصيتهن إن وقعت ضعفين لشرفهن، وقد قال تعالى في أجرهن: {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما}.
فكل مكان أو زمان فيه الشرف أكثر؛ فالمعصية فيه أفظع وأشنع؛ لأن الشامة السوداء في البياض أظهر! PageV01P046
ألا ترى إلى قولهم: ((حسنات الأبرار سيئات المقربين))؟
ونحن لا نتوقف أن الزنا بمحراب المسجد أفظع منه في السوق ونحوه!
وممن قال بتضعيف السيئات بالزمان والمكان الفاضل أئمتنا الحنابلة، وعليه الفتوى.
قال عمر رضي الله عنه: ((خطيئة أصيبها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة في غيرها)). PageV01P047
وقال في رواية البيهقي: ((والله لأن أعمل عشر خطايا بغيره أحب إلي من أن أعمل واحدة بمكة)).
وقال ابن مسعود: ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالهم قبل العمل PageV01P048 إلا بمكة، وتلا: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}.
قال إمامنا أحمد: لو أن رجلا بعدن، هم أن يقتل عند البيت، أذاقه الله من العذاب الأليم.
وعن أبي يعلى بن أمية مرفوعا: ((احتكار الطعام في الحرم إلحاد)). رواه أبو داود.
وعن ابن عمر مرفوعا: ((احتكار الطعام بمكة إلحاد)). رواه الطبراني في الأوسط.
واختلفوا في معنى تضعيف السيئات في الحرم؛ فقيل: كمضاعفة الحسنات؛ لما قال مجاهد: أن السيئة تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنة. فظاهر كلامه أن السيئة تبلغ في التضعيف مبلغ الحسنة وهو مائة ألف.
ويدل لذلك: ما رواه صاحب ((الاختيار في شرح المختار)): أن في الحديث أن الحسنة تضاعف فيها إلى مائة ألف، والسيئة كذلك. PageV01P049
وما رواه الأزرق عن ابن جريج أنه قال: بلغني أن الخطيئة بمكة بمائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك، يعني: تستوي مضاعفة الحسنة والسيئة فيه، كذا ورد.
قال بعضهم: والأظهر في قول مجاهد أن التشبيه في مطلق المضاعفة؛ ألا ترى إلى قول عمر: ((أعظم من سبعين خطيئة، وعشر خطيئات، واثنتي عشرة خطيئة))؟
وأيضا فقواعد الشريعة في باب المضاعفة المحققة مقتضية أن السيئة عشر الحسنة؛ فإذا كانت الحسنة بمائة ألف كانت السيئة بعشرة آلاف.
ولا دلالة في قول ابن جريج على المساواة؛ لأن المائة في عبارته كناية عن التكثير، وليس المراد حقيقة مفهوم العدد؛ لصحة الأحاديث في أن الحسنات في مكة بمائة ألف؛ وكذلك لا دلالة في الحديث الذي رواه صاحب ((الاختيار))؛ لجواز أن يكون قوله كذلك عائدا إلى التضعيف فقط.
وسئل الإمام أحمد رضي الله عنه: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا، إلا بمكة؛ لتعظيمها.