مقدمة المصنف
لمؤلفه سامحه الله وعفا عنه:
شغفت بذي حسن مليح شمائل ... على حبه قلبي أراه قد اقتصر
لطيفا ولكن عنده كل جفوة ... ظريفا يرى لكن في عينه حور
يعرض لي بالهجر في كل ساعة ... ويوله قلبي بالتجني إذا خطر
يعلق آمالي غرورا وينثني ... قريبا بعيدا يشبه النجم والقمر
تحيرت في أفعاله وهو نافر ... وقد خلت أني منه لا أبلغ الوطر
على أنه مبدأ غرامي ولوعتي ... ومبتدأ يدري ولم يدر ما الخبر
شكوت له تكدير حالي فقال لي ... وهل ثم في الدنيا صفاء بلا كدر
بسم الله الرحمن الرحيم
قال العبد الفقير إلى الله تعالى مرعي بن يوسف الحنبلي المقدسي:
الحمد لله خالق الأشباح، ومدبر الأرواح، ومقدر الغم والأفراح؛ والصلاة والسلام على من كان يمزح ولا يقول إلا حقا في المزاح، وعلى آله وأصحابه أولي المروءة والفتوة والفلاح.
أما بعد؛
فقد أحببت أن أضع بعض لطائف في ذكر المزاح وبيان المحمود منه والمذموم، وبعض حكايات تزيل الهموم عن قلب المغموم؛ وتحسن بها المعاشرة، وتلذ بها المسامرة؛ راجيا دعوة أخ صالح من الإخوان، سائلا من الله العفو والغفران؛ وسميته "غذاء الأرواح بالمحادثة والمزاح". PageV01P025
فأقول، والله المسؤول؛ أن يغفر لي الذنب والذلل، ويوفقني في القول والعمل:
اعلم أيدك الله أن النفس تمل، كما أن البدن يكل؛ وكما أن البدن إذا كل طلب الراحة، كذلك النفس إذا ملت طلبت الراحة.
1 - قال بعض السلف: حادثوا هذه النفوس، فإنها سريعة الدثور.
كأنه أراد احتملوها واجلوا الصدى عنها، وأعدوها قابلة لودائع الخير، فإنها إذا دثرت -أي: تغطت- وصديت لم ينتفع بها.
2 - وقيل لخالد بن صفوان: أتمل الحديث؟ قال: إنما نمل العتيق.
والحديث معشوق الحسن بمعونة العقل، ولهذا يولع به حتى النساء والصبيان.
3 - وقال الإمام عمر بن عبد العزيز: إن في المحادثة تلقيحا للعقول، وترويحا للقلب، وتسريحا للهم، وتنقيحا للأدب.
4 - وقال أبو سعيد السيرافي: سمعت ابن السراج يقول: دخلنا على ابن الرومي في مرضه الذي قضى فيه، فأنشدنا:
ولقد سئمت مآربي ... فكان أطيبها خبيث
إلا الحديث فإنه ... مثل اسمه أبدا حديث
لا سيما إذا كانت المحادثة والممازحة بين الإخوان أهل الصفاء، والمحبة والوفاء؛ فإن ذلك روح الروح وغذاء النفس.
5 - قال عبد الملك بن مروان رحمه الله لبعض جلسائه: قد PageV01P026 # قضيت الوطر من كل شيء إلا من محادثة الإخوان في الليالي الزهر على التلال العفر.
6 - وقال سليمان بن عبد الملك: قد ركبنا الفاره، وتبطنا الحرير، ولبسنا اللين، وأكلنا الطيب؛ وها أنا اليوم أحوج مني إلى جليس يضع عني مؤونة التحفظ، ويحدثني بما لا يمجه السمع، ويطرب إليه القلب.
إذا تقرر هذا، فاعلم أيدك الله، أنه لا بأس بالمزح الخالي عن سفساف الأمور وعن مخالطة السفلة ومزاحمتهم، بل بين الإخوان أهل الصفاء بما لا أذى فيه ولا ضرر، ولا غيبة ولا شين، في عرض أو دين؛ بل ربما لو قيل: يندب، لم يبعد؛ إذا كان قاصدا به حسن العشرة والتواضع للإخوان، والإنبساط معهم، ورفع الحشمة بينهم؛ من غير استهزاء أو إخلال بمروءة أو استنقاص بأحد منهم.
7 - وبالجملة، فإن المزح في مقام يقتضيه، لا ملام فيه؛ بل قيل لسفيان: المزاح هجنة؟ فقال بل سنة، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إني لأمزح ولا أقول إلا الحق" ["مجمع الزوائد" 9/ 17، "تاريخ بغداد" 3/ 378، "الأنوار" للبغوي، رقم: 311 و 312، وراجع "المراح" رقم: 26 و 24].