وأما وجه الإرسال؛ أنه أقام المعارضة بين الحديثين، فإن رواية ((الصحيح)) تدل على الوضع، ورواية أبي داود -أعني: الثانية- تدل على المنع؛ لأن النهوض بمعنى: القيام المطلق، على ما في كتب اللغة محقق.
ومن قواعد الأصول المقررة عند أرباب الحصول: أنه إذا تعارض المأمور والمحظور، روعي جانب المحظور، ويرجح على فعل المأمور. PageV01P038
فإن قلت: كيف يعارض أبو داود الشيخين، وكتاباهما أصح الكتب بعد الاختلاف فيما بين ((الصحيحين))؟
قلت: هذا بالنسبة إلى أمثالنا من المقلدين، والتابعين للأدلة النقلية من المخرجين، لا بالنسبة إلى المجتهد المقدم عليهما؛ لأن الحديثين إذا ثبتا عنده، فله الترجيح بينهما.
على أنه ذكر الإمام ابن الهمام، أن قول الأصوليين: أصح الأحاديث ما في ((الصحيحين))، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما اشتمل على شرطهما، [ثم ما اشتمل على شرط أحدهما، ثم الصحيح عند غيرهما وليس على شرط واحد PageV01P039 منهما] تحكم لا يجوز التقليد فيه، إذ الأصحية ليست إلا لاشتمال رواتهما على الشروط التي اعتبراها، فإذا فرض وجود تلك الشروط في رواة حديث في غير الكتابين، أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين عين التحكم؟!
نعم، تسكن نفس غير المجتهد، ومن لم يخبر أمر الراوي بنفسه إلى ما اجتمع عليه الأكثر.
أما المجتهد في اعتبار الشرط وعدمه، والذي خبر الراوي، فلا يرجع إلا إلى رأي نفسه، فإذا صح الحديث في غير الكتابين، يعارض ما في الكتابين. انتهى. PageV01P040
بل أقول: أخذ المجتهد بتلك الرواية يدل على صحتها وعدالة رواتها، فلا يضر قول صاحب الأزهار أن الرواية الثانية لأبي داود ضعيفة؛ لأن خالد بن إياس الراوي لها ضعيف.
فإنا ندفعه بأن نقول: هو ضعيف عند القائل، وهو عدل عند الإمام الفاضل، وهذا الضعف إنما حدث في رجال الحديث بعد تقدم الاجتهاد به وتعلق التحديث.
لكن الإمام مالك يعكر عليه مجيء الحديث بلفظ: [نهى أن يعتمد الرجل على يديه]. ولعله ثبت عنده الاعتماد على اليد بلفظ الإفراد، فله اليد الطولى في العقل والرواية الفضلى في النقل.
والجواب عن جانب الجمهور: بإمكان الجمع المشهور؛ لرفع المعارضة ودفع المناقضة، بأن الوضع في حقيقة القيام، والمنع عند إرادة القيام، أو الوضع في قيام شرع فيه ذكر وقراءة، والمنع في قيام يكون بخلافه؛ كالقومة، وكما بين تكبيرات العيدين، وما بعد التكبيرة الرابعة في الجنازة.
وأما وجه التخيير والإباحة؛ فهو مأخوذ من عدم الترجيح PageV01P041 عند المعارضة، فإنهما إذا تعارضا تساقطا، فالتخيير والإباحة بهما ترابطا.
والحمد لله رب العالمين PageV01P042