وبالغ بعض القائلين بقوله، فقواه على المسند معللا: بأن من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفل لك، وهذا إذا لم يعرف حاله.
(فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور المحدثين) أي على زعمه، (إلى التوقف) أي في قبوله ورده. ويرد على المصنف أنه حينئذ لا يصح جعله قسما من [أقسام] المردود القطعي على مذهبهم (لبقاء الاحتمال) إذ يجوز أن يكون ثقة عنده لا في نفس الأمر كذا قيل.
وهو غير صحيح؛ إذ الكلام مبني على فرض أنه لا يرسل إلا عن ثقة. وعلم هذا من دأبه بالتتبع في نقله، لا بناء على قوله. فالصواب أن يقال: لبقاء احتمال أن يكون هذا الإرسال بخصوصه من غير عادته. وقال شارح: إلى التوقف، وأنه لا يقبل. وظاهره مناف للتوقف إن قرئ بفتح أنه، وأما إذا قرئ بكسر إنه، فله وجه، وهو: أن التعليل إنما هو لعدم القبول المستلزم لعلة عدم الرد، وهو بقاء الاحتمال، إذ لا يصح الاستدلال مع وجود الاحتمال نفيا وإثباتا. (وهو أحد قولي أحمد) أي غير المشهور عنه.
(وثانيهما: وهو قول المالكيين والكوفيين) فيرد على المصنف أنه لا يصح جعله قسما من المردود بناء على جميع المذاهب. (يقبل) أي المرسل، (مطلقا) [90 - ب] .
قال / 65 - ب / تلميذه: الأولى تركه، أو تأخير قول المالكيين والكوفيين عن قول الشافعي، إذ يوهم الإطلاق أنه سواء عرف من عادته ما ذكر أو لا، فيخالف ما عند الكوفيين والمالكيين. انتهى. والظاهر أنه أراد بقوله: مطلقا سواء اعتضد بمجيئه من وجه آخر، أو لم يعتضد بمجيئه بدليل قوله:
(وقال الشافعي: يقبل) أي [لا] مطلقا [بل] فيه تفصيل. (إن اعتضد) على بناء المجهول، (بمجيئه من وجه آخر) أي إسناد آخر (يباين) أي يغاير
(الطريق الأولى) وفي نسخة: الأول لأن الطريق يؤنث ويذكر (مسندا كان) أي الثاني، (أو مرسلا) وسواء كان الثاني صحيحا، أو حسنا، أو ضعيفا، ذكره الشيخ زكريا. (ليترجح احتمال كون المحذوف) أي في الإسناد الأول.
(ثقة في نفس الأمر) . وفيه بحثان: الأول: إنه إذا كان الثاني مرسلا أيضا لا يظهر وجه الترجيح، إذ الضعيف لا يقوي الضعيف، نعم، كثرة الطرق الضعيفة قد تقويه وتخرجه إلى حد الحسن لغيره.
والثاني: أنه إذا اعتضد بمسند، فالمسند هو المعتمد، ولا حاجة إلى المرسل، اللهم إلا أن يقال: المسند قد يكون ضعيفا وبان به قوة الساقط وصلاحيته للاحتجاج، وقد يقال: إنهما دليلان إذ المسند دليل برأسه، والمرسل يعتضد به ويصير دليلا أخر، فيرجح بهما الخبر عند معارضة خبر ليس له طريق سوى مسنده /.
(ونقل أبو بكر الرازي) صاحب شرعة الإسلام (من الحنفية، وأبو الوليد
الباجي) بالموحدة، والجيم نسبة إلى باجة، بلد بإفريقية، منه أبو [الوليد] سليمان بن خلف الإمام المصنف، ذكره " القاموس ". (من المالكية: أن الراوي إذا كان يرسل عن الثقات) أي تارة، (وغيرهم) أخرى.
(لا يقبل مرسله اتفاقا) أي إذا عرف من حاله [91 - أ] [أنه] غير ملتزم بأن يرسله عن ثقة، فلا يقبل مرسله، وأما إذا لم يعلم حاله، فمرسله مقبول إتفاقا عند الحنيفة والمالكية.
( [