وتوضيحه: أن منشأ اختلافهم في التابعي الصغير، هو أن روايته عن الصحابي قليلة نادرة، والحكم إنما يكون مبنيا على الغالب، فإذا تحقق عدم روايته عن الصحابي، فلا وجه للاختلاف في كون حديثه مرسلا / بل يكون منقطعا قطعا، والله أعلم.
(وإنما ذكر) أي المرسل، (في قسم المردود) مع أن المعتمد عند المحدثين أنه ما حذف منه الصحابي وهو - لا شك - أنه ثقة.
ولذا قال جمهور العلماء: إن المرسل حجة مطلقا بناء على الظاهر من حاله، وحسن الظن به أنه ما يروي حديثه إلا عن الصحابي. وإنما حذفه لسبب من الأسباب، كما إذا كان يروي ذلك الحديث عن جماعة من الصحابة، كما ذكر عن الحسن البصري أنه قال: إنما أطلقته إذا سمعته من سبعين من الصحابة، وكان قد يحذف اسم علي رضي الله تعالى عنه بالخصوص أيضا لخوف الفتنة
(للجهل بحال المحذوف) أي في الجملة؛ (لأنه يحتمل أن يكون) أي المحذوف؛ (صحابيا، ويحتمل) أي احتمالا بعيدا، ولذا ما اعتبره الجمهور من الأصوليين، (أن يكون تابعيا) بأن تابع مذهب الفقهاء وغيرهم، أو لعدم تقيدهم بالرواية عن الصحابة.
(وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا، ويحتمل أن يكون ثقة) [89 - ب] لعدم تقيدهم بالرواية عن الثقات. وأما على الأول: فثقة جزما لأن الصحابة كلهم عدول.
(وعلى الثاني) أي على تقدير كون التابعي ثقة، (يحتمل أن يكون حمل) أي أخذ وتحمل (عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر) وعلى الأول أيضا يحتملها، لكن المراد بيان سبب ذكره في المردود، [وعلى الأول ظهر المردود به] فلا حاجة إلى بيان الاحتمالات فيه.
(وعلى الثاني) وهو احتمال كون الثاني حاملا عن تابعي آخر، (فيعود) أي يرجع (الاحتمال السابق) وهو احتمال كون التابعي ضعيفا، أو ثقة. وإلفاء إما لتقدير [أما] أو لتوهمها.
(ويتعدد) أي ويحتمل تعددا آخر ويرتقي احتماله، (أما بالتجويز العقلي في احتمال التعدد، فإلى ما لا نهاية له) أي مع قطع النظر عن الدليل النقلي الخارجي، فاندفع ما قال تلميذه: محال عند العقل، أن يجوز بين التابعي والنبي [صلى الله عليه وسلم] من لا يتناهى. كيف وقد وقع التناهي في الوجود
الخارجي بذكر النبي [صلى الله عليه وسلم] . انتهى.
والظاهر أنه أراد الكثرة وأتى بما لا نهاية له مبالغة، إذ من المعلوم عند العقلاء أن الانتساب إلى آدم عليه السلام / 65 - أ / أمر متناه، فكيف إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، فمراده أنه يتعدد، أما بالتجويز العقلي إلى أتباع غير محصورة عندهم، بقرينة المقابلة بقوله:
(وأما بالاستقراء) أي بالتتبع الحاصل بالدليل النقلي
(فإلى) أي فينتهي التعدد إلى (ستة أو سبعة) . قال محش: " أو " للترديد، أو بمعنى بل، ثم كتب في حاشيته أن " أو " هذه تحتملهما، وحاصلهما: اختياره أن أو بمعنى [بل] لكن نقل التلميذ عن المصنف أنه قال: " أو " هنا للشك لأن السند الذي ورد فيه سبعة أنفس اختلفوا في واحدهم هل هو صحابي أو تابعي، فإن ثبت صحبته فإن التابعين ستة، وإلا فسبعة.
(وهو) أي هذا العدد، (أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين، عن بعض) . واعلم أن كون المرسل [90 - أ] حديثا ضعيفا لا يحتج به، إنما هو اختيار جماعة من المحدثين، وهو قول الشافعي رضي الله عنه، وطائفة من الفقهاء،
وأصحاب الأصول. وقال مالك في المشهور عنه، وأبو حنيفة، وأصحابه، وغيرهم من أئمة / العلماء كأحمد في المشهور عنه: أنه صحيح يحتج به، بل حكى ابن جرير إجماع التابعين بأسرهم على قبوله، وأنه لم يأت عن أحد منهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم، إلى رأس المئتين الذين هم من القرون الفاضلة، المشهود لها من الشارع صلى الله تعالى عليه وسلم بالخيرية.