(بدء التصنيف في علوم الحديث)
(فمن أول من صنف في ذلك) ، أي في اصطلاح أهل الحديث، (القاضي أبو محمد) أي الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد، (الرامهرمزي) بفتح الميم الأولى، وضم الهاء، وسكون الراء، وضم الميم الثانية، بعدها زاي معجمة بلد بخوزستان. وفي الكلام إشعار بوجود تعدد التصنيف في قرن القاضي، وعدم تحقق الأولية وبيانه: أن " من " للتبعيض، و " أول " اسم التفضيل بمعنى الجماعة، فإن أفعل التفضيل المستعمل بالإضافة يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له، فالمعنى: من أوائل المصنفين في ذلك القاضي. كأن جماعة في عصر واحد صنفوا ولم يسبقهم أحد في التصنيف، والمصنف لم يعلم أولهم بالحقيقة، فأورد هذه العبارة، وإلا فحقه أن يقول: فأول من صنف، بيانا لأول المتقدمين، فإن أمر إضافي.
(كتابه) بالنصب لفعل مقدر كأنه قيل: أي شيء صنف؟ فقال: صنف كتابه، أو أعني بما صنف كتابه. ولا يصح نصب ب: صنف المذكور لأن " من " في " من صنف " قوم [7 - ب] من جملتهم القاضي كما سبق وتوضيحه: أن فاعل صنف المذكور ضمير من، ولم / يصنف هذا الكتاب إلا واحد منهم لا جميعهم، ثم أبدل عن كتابه بقوله:
(المحدث) بتشديد الدال المكسورة، أي الراوي، والواعي مجازا، (الفاصل) بالصاد، أي الفارق بينهما، أو بين طرق الحديث وإسناده، (لكنه) أي القاضي، أو كتابه، (لم يستوعب) أي الفنون بأجمعها، من جميع [المراد
وجميع] المواد.
(والحاكم) - عطف على القاضي - (أبو عبد الله النيسابوري) بفتح النون، والسين المهملة، نسبة إلى بلد مشهور بخراسان، (لكنه) أي الحاكم، وإن استوعب، (لم يهذب) أي بالتنقيح والتصحيح، (ولم يرتب) ، أي لم يجعل الأشياء في مراتبها على وفق مآربها كما ينبغي عند الفصيح والنصيح.
(وتلاه) أي تبع الحاكم في ترتيبه وفي عدم تهذيبه، أو جاء بعده، (أبو نعيم) بضم النون، وفتح العين، (الأصفهاني) بكسر همزة وبفتح، وبفاء مفتوحة في لغة أهل الشرق، وبموحدة في الغرب.
(فعمل) أي أبو نعيم (على كتابه) أي معترضا على كتاب الحاكم، أو على منوال كتابه، وأما ما قيل: ولك أن تقول: أي قرأ كتابه، لكن يأباه قوله: على كتابه، فإن الأنسب حينئذ أن / 6 - ب / يقول: " عليه " مكان " على كتابه "، فكلام غير موجه فإن قوله: على كتابه متعلق ب: عمل لا ب: تلاه، مع أنه لا تستعمل التلاوة بمعنى القراءة في غير القرآن، ثم قوله:
(مستخرجا) بكسر الراء حال من فاعل عمل المنزل منزلة اللازم. يقال: كتب فلان مستخرجا على الصحيحين [أي جاعلا الزيادة عليهما] ، أي مستدركا عليهما. والفرق بين الاستخراج والاستدراك أن الزوائد في المستخرج بالفتح - من
المستخرج - بالكسر - بخلاف المستدرك فالتعبير هنا بالمستخرج أولى من المستدرك وقيل: الظاهر أن معناه: زاد أبو نعيم على كتاب الحاكم أشياء، واستدرك عليه ما فاته وحينئذ يكون قوله: مستخرجا على بناء المفعول مفعول عمل. وقوله: على كتابه متعلق بقوله: مستخرجا وتفسير محش الاستخراج بالاختصار غير ملائم للمقام مع معارضة بنقله. يقال: كتب فلان مستخرجا [8 - أ] على الصحيحين أي معترضا.
(وأبقى) أي ومع ذلك ترك (أشياء) أي كثيرة (للمتعقب) أي للذي جاء بعد زمانه، أو للمعترض، ولو في أوانه.
(ثم جاء) أي بمهلة (بعدهم) أي بعد القاضي، والحاكم، وأبي نعيم المتقدمين، (الخطيب) فهو أول المتأخرين، أو آخر المتقدمين، وهو صاحب المنهل، (أبو بكر البغدادي) يجوز إهمال الدالين، وإعجامهما،، وإعجام الأول، وإهمال الثاني، وعكسه، وهو الأفصح المروي عن الشاطبي. (فصنف في قوانين الرواية) أي أصولها وقواعدها الكلية المشتملة على المسائل الجزئية.