(بل تكون العادة) تفسيرا لقوله: بلا حصر عدد، بل تجعل بل للانتقال، فإنه لو أراد التفسير لقال: بأن تكون العادة (قد أحالت) أي عدت وجعلت محالا، (تواطؤهم) أي توافقهم قصدا، سواء تواطؤا فيما بينهم أم لا، (على الكذب) بفتح الكاف، وكسر الذال، هو اللغة الفصحى الواردة في القرآن، ويجوز كسر الكاف، وسكون الذال، وقيل: الأخير مستحسن إذا ذكر في مقابلة الصدق / 12 - ب / لحسن المقابلة الوزنية. قال السيد أصيل الدين: وفي الطوالع: يجزم العقل بامتناع تواطئهم على الكذب، وكلاهما صحيح، لأن جزم العقل بواسطة العادة والتكرار، والتعبير بالعادة أولى، للإشعار بموجب جزم العقل.
(وكذا وقوعه) أي وكذا أحالت [15 - ب] العادة وقوع الكذب (منهم اتفاقا) أي غلطا، أو سهوا قاله السخاوي.
فقوله (من غير قصد) تأكيد، ولذا قال التلميذ: قوله اتفاقا: يغني عن قوله: من غير قصد.
وخلاصة الكلام: أن التواتر لا يحصر عدده، ويكون ذلك العدد الذي لا يحصر بحيث لا يمكن عادة تواطؤهم على الكذب. وكذا وقوع الكذب منهم اتفاقا من غير قصد، حتى لو أخبر جمع غير محصور بما يجوز توافقهم على الكذب عليه لغرض من الأغراض، أو اتفاق الكذب منهم عليه لا يكون متواترا
فيتحصل: أن الكثرة هي الشرط الأول، وإحالة العادة هي الشرط الثاني، والشروط خمسة على مقتضى كلام المصنف حيث قال: فيما سيأتي. فإذا جمع هذه الشروط الأربعة، ولا يتصور كونها أربعة بدون جعل هذا ثانيا، والمحققون على أنه تفسير للكثرة.
وعدم الحصر بمعنى أن المعتبر في كثرة المخبرين بلوغهم حدا يمتنع عند العقل تواطؤهم على الكذب، لا أن لا يدخل تحت الضبط كما سبق تحقيقه، فالشروط عندهم أربعة لا خمسة؛ فعلى هذا لو أخبر بخبر جمع غير محصور يحيل العقل تواطؤهم على الكذب يكون متواترا. ثم إذا كان حد التواتر ما ذكر (فلا معنى لتعيين العدد) .
قال الأصيلي: وإنما الضابط حصول العلم، فمتى أخبر هذا الجمع وأفاد خبرهم العلم علمنا أنه متواتر، وإلا فلا.
وقال ابن الهمام: التواتر: خبر جماعة يفيد العلم لا بالقرائن المنفصلة بل بنفسه.
وقال ابن الملك في " شرح المنار ": عرفه المحققون بأنه خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه. فقوله: بنفسه، يخرج خبر جماعة أفاد العلم بالقرائن الزائدة عن الخبر، ك: شق الجيوب، والتفجع في الخبر بموت ولده.
(على الصحيح) أي الذي عليه الجمهور، وهو مقابل للأقوال الآتية في قوله:
(ومنهم) أي من المحدثين، أو من علماء أصول الحديث، أو [16 - أ] أصول الفقه /، (من عينه) أي عدد المتواتر.
(في الأربعة) اعتبارا بأربعة شهداء، ورد بأنهم لو شهدوا بالزنا لا يفيد قولهم العلم لاحتياجهم إلى التزكية. وتوقف القاضي أبو بكر الباقلاني في الخمسة
(وقيل: في الخمسة) اعتبارا بعدد اللعان.
(وقيل: في السبعة. وقيل: في العشرة) قال الإصطخري: أقل عدد الجمع الذي يفيد خبره العلم عشرة، لأن ما دونها آحاد.
(وقيل: في الاثني عشر) كعدد النقباء في قوله تعالى: (وبعثنا منهم اثني
عشر نقيبا} / 13 - أ / بعثوا - كما قال أهل التفسير - للكنعانيين بالشام طليعة لبني إسرائيل المأمورين بجهادهم ليخبروهم بحالهم، فكونهم على هذا العدد ليس إلا لأنه أقل ما يفيد العلم المطلوب في مثل ذلك.