وجعل اقتصاره عليه السلام لأمر دنيوي غير مرضي، وفي استدلاله نظر ; إذ فرق بين تخفيف الطاعة وترك الإطالة لغرض، وبين إطالة العبادة بسبب شخص، فإنه من الرياء المتعارف، وقال الفضيل مبالغا: العبادة لغير الله شرك، وتركها لغيره تعالى رياء، والإخلاص أن يخلصك الله تعالى عنهما، وأيضا الإمام مأمور بالتخفيف ومنهي عن الإطالة، وأيضا ترك التخفيف مضر لا يمكن تداركه بخلاف ترك الإطالة في الصلاة المذكورة فإنه لا يفوت به شيء أصلي أصلا. نعم لو صورت المسألة في القعدة الأخيرة لكان له وجه حسن، لكني لم أر من ذكره، والله أعلم. والمذهب عندنا أن الإمام لو أطال الركوع لإدراك الجائي لا تقربا بالركوع لله تعالى فهو مكروه كراهة تحريم، ويخشى عليه منه أمر عظيم، ولكن لا يكفر بسبب ذلك ; لأنه لم ينو به عبادة غير الله تعالى، وقيل: إن كان لا يعرف الجائي فلا بأس أن يطيل وإلا صح أن تركه أولى، وأما لو أطال الركوع تقربا من غير أن يتخالج قلبه بشيء سوى التقرب لله تعالى فلا بأس، ولا شك أن مثل هذه الحالة في غاية الندرة، وهذه المسألة تلقب بمسألة الرياء، فالاحتراز والاحتياط فيها أولى، كذا في شرح المنية ملخصا.
وأما ما روى أبو داود من أنه عليه السلام كان ينتظر في صلاته مادام يسمع وقع نعل فضعيف، ولو صح فتأويله أنه كان يتوقف في إقامة صلاته، أو تحمل الكراهة على ما إذا عرف الجائي، ويدل عليه ما صح أنه عليه الصلاة والسلام كان يطيل الأولى من الظهر كي يدركها الناس، لكن فيه أنه من ظن الصحابي رضي الله عنه، والله أعلم بما أراد به صلى الله عليه وسلم. (متفق عليه) .
<span class="matn">1130 - وعن أبي قتادة رضي الله عنه، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه» ". رواه البخاري.
</span><span class="matn-hr"> </span>1130 - (وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها) أي إطالة نسبية أو على خلاف عادتي، (فأسمع بكاء الصبي فأتجوز) أي: أختصر (في صلاتي) : وأترخص بما تجوز به الصلاة من الاقتصار وترك تطويل القراءة والأذكار، قال الطيبي: أي: أخفف، كأنه تجاوز ما قصده، أي ما قصد فعله لولا بكاء الصبي، قال: ومعنى التجوز: أنه قطع قراءة السورة وأسرع في أفعاله، انتهى. والأظهر أنه شرع في سورة قصيرة بعدما أراد أن يقرأ سورة طويلة، فالحاصل أنه حاز بين الفضيلتين، وهما قصد الإطالة والشفقة والرحمة وترك الملالة، ولذا ورد: نية المؤمن خير من عمله ". (مما أعلم) : من تعليلية للاختصار، أي: من أجل ما أعلم (من شدة وجد أمه) أي: حزنها، ومن بيانية لما (من بكائه) : تعليلية للوجد. (رواه البخاري) .
<span class="matn">1131 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء» " متفق عليه.
</span><span class="matn-hr"> </span>1131 - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا صلى أحدكم للناس) أي: إماما لهم، أو اللام بمعنى الباء (فليخفف، فإن فيهم السقيم) أي: المريض (والضعيف) أي: في أصل الخلقة، أو في العبادة لأجل الكسالة، فبالإطالة تحصل له الملالة (والكبير) أي: في السن (وإذا «صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء» ) : وكذا إذا كان القوم محصورين، وليس فيهم أحد من المذكورين، والحديث بظاهره ينافي قول بعض الشافعية: إن تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين مبطل للصلاة. (متفق عليه) .