وليس له تأويل سائغ نقضنا حكمه. وقال إمام الحرمين: أجمع علماء المسلمين على صحتهما، وقد قال عطاء: الإجماع أقوى من الإسناد فإذن أفاد العلم، وقال الأكثرون، والمحققون: صحتهما ظنية؛ لأن أخبارهما آحاد، وهي لا تفيد إلا الظن، وإن تلقتها الأئمة بالقبول؛ لأنهم تلقوا بالقبول ما ظنت صحته من غيرهما، ولأن تصحيح الأئمة للخبر المستجمع لشروط الصحة إنما هو باعتبار الظاهر؛ ولأن فيهما نحو مائتي حديث مسند طعن في صحتها، فلم تتلق الأمة كلها ما فيهما بالقبول لكن بعض القائلين بالأول استثنوا هذه. قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: والتحقيق أن الخلاف لفظي؛ لأن من أطلق عليهما العلم بالصحة جعله نظريا، وهو الناشئ عن الاستدلال، ومن أبى هذا الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده ظن، واختلفوا هل يمكن التصحيح، والتحسين، والتضعيف في الأعصار المتأخرة؟ واختار ابن الصلاح أنه لا يمكن بل يقتصر على ما نص عليه الأئمة في تصانيفهم المعتمدة، ورده النووي، وتبعوه، وأطالوا في بيان رده، ومن ثم صحح جماعة من معاصريه كالقطان، والضياء المقدسي، ثم المنذري، والدمياطي طبقة بعد طبقة. قيل: ولعله إنما اختار حسم المادة لئلا يتطفل على ذلك بعض الجهلة. قلت: ومن هذا القبيل اختلافهم هل يمكن لأحد الاجتهاد المطلق في الأزمنة المتأخرة ; فقيل: يمكن، وقيل: لا. والخلاف لفظي لأن الإمكان أمر عقلي، ومنعه أمر عادي، والله تعالى أعلم.
[كتاب الإيمان]
(1) كتاب الإيمان
" الفصل الأول "
(2) «عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأسند ركبته إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. قال: " الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ". قال: صدقت. فعجبنا له يسأله، ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: (أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: فأخبرني عن الساعة قال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي: " يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» " رواه مسلم.
(1) كتاب الإيمان
الكتاب إما مأخوذ من الكتب بمعنى الجمع، أو الكتابة، والمعنى هذا مجموع، أو مكتوب في الأحاديث الواردة في الإيمان، وإنما عنون به مع ذكره الإسلام أيضا؛ لأنهما بمعنى واحد في الشرع، وعلى اعتبار المعنى اللغوي من الفرق يكون فيه إشارة إلى أنه الأصل، وعليه مدار الفصل، وقدمه لزيادة شرفه في الفضل، ولكونه شرطا لصحة العبادات المتقدمة على المعاملات، وهو التصديق الذي معه أمن، وطمأنينة لغة، وفي الشرع تصديق القلب مما جاء من عند الرب، فكأن المؤمن يجعل به نفسه آمنة من العذاب في الدارين، أو من التكذيب، والمخالفة، وهو إفعال من الأمن يقال: أمنت وآمنت غيري، ثم يقال آمنه إذا صدقه، وقيل: معنى أمنت صرت ذا أمن ثم نقل إلى التصديق، ويعدى باللام نحو: {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف: 17] وقال فرعون: {آمنتم له} [طه: 71] وقد يضمن معنى اعترف فيعدى بالباء نحو: {يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] واختلف العلماء فيه على أقوال أولها: عليه الأكثرون، والأشعري، والمحققون أنه مجرد تصديق النبي - عليه الصلاة والسلام - فيما علم مجيئه بالضرورة تفصيلا في الأمور التفصيلية، وإجمالا في الإجمالية تصديقا جازما، ولو لغير دليل حتى يدخل إيمان المقلد، فهو صحيح على الأصح، وما نقل عن الأشعري من عدم صحته رد بأنه كذب عليه، والحاصل أن من اعتقد أركان الدين من التوحيد، والنبوة، ونحو الصلاة فإن جوز ورود شبهة تفسد اعتقاده، فهو كافر، وإن لم يجوز ذلك فهو مؤمن لكنه فاسق بتركه النظر، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، والأكثرين؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - قبل الإيمان من غير تفحص عن الأدلة العقلية كذا ذكره ابن حجر، لكن في كونه فاسقا بتركه النظر نظر ظاهر فتدبر، ثم فهم من قيد مجرد التصديق أنه لا يعتبر معه أعمال الجوارح، ومن الضرورة أن ما ليس كذلك ككونه تعالى عالما بذاته، أو بالعلم الذي هو صفة زائدة على الذات، أو مرئيا لا يكفر منكره إجماعا، ومن الجزم أن التصديق الظني لا يكفي في حصول مسمى الإيمان.