قيل: الظاهر أنه عطف على يبولن، ويكون ثم مثل الواو في: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أو مثل الفاء في قوله تعالى: {ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي} [طه: 81] أي: ولا يكن من أحد البول في الماء الموصوف، ثم الاغتسال، فثم استبعادية، أي: بعيد من العاقل ذلك أي: الجمع بين هذين الأمرين.
فإن قلت: علام تعتمد في نصب يغتسل حتى يتمشى لك هذا المعنى؟ قلت: إذا قوي المعنى لا يضر الرفع لأنه من باب: أحضر الوغى. كذا ذكره الطيبي، وقد سبق نقل المغني فاستحضره، فإن الطالب به يستغني. (متفق عليه) .
(وفي رواية لمسلم) : أي: له روايتان: أحدهما متفق عليها، وثانيهما هذه قاله الطيبي. (قال: " لا يغتسل ") : بالجزم، وقيل: بالرفع (" أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ") : هذا النهي إنما يكون في الماء القليل ; لأنه يصير مستعملا باغتسال الجنب، فحينئذ قد أفسد الماء على الناس ; لأنه لا يصلح للاغتسال والتوضؤ منه بعد ذلك، كذا ذكره ابن الملك. وقال القاضي: تقييد النهي بالحال يدل على أن المستعمل في غسل الجنابة إذا كان راكدا لا يبقى على ما كان، وإلا لم يكن للنهي المقيد فائدة، وذلك إما بزوال الطهارة كما قال أبو حنيفة، أو بزوال الطهورية كما قال الشافعي اه. وكذا هو قول محمد، وعليه الفتوى، يعني أن الحديث حجة على مالك، لكن حجته تأتي في الحديث الآتي (قالوا: كيف يفعل) : أي: الجنب (يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا) : أي: يأخذه اغترافا ويغتسل خارجا. قال في شرح السنة: فيه دليل على أن الجنب إن أدخل يده فيه ليتناول الماء لم يتغير حكمه، وإن أدخل يده فيه ليغسلها من الجنابة تغير حكمه اه. وكذا حكمه عندنا، قال ابن حجر: ويؤخذ من التقييد بالجنب أنه لا يكره الغسل فيه للتنظيف أو للسنة، كغسل الجمعة. والظاهر أنه غير مراد ; لأن اختلاف العلماء موجود في الأخير، إذ لنا وجه أن الاستعمال في الغسل غير طهور ; لأن الاستقذار موجود في غسل نحو التنظيف، فالوجه أن التقييد بالجنب لكونه أغلظ.
<span class="matn">475 - وعن جابر رضي الله عنه، قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الماء الراكد» . رواه مسلم.
</span><span class="matn-hr"> </span>475 - (وعن جابر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الماء الراكد» ) : أي: الواقف ; وهذا لأن الماء الساكن إن كان دون قلتين تنجس، ولا يجوز الاغتسال منه وإن كان قلتين فلعله يتغير به فيصير نجسا بالتغير، وكذا إن كثر غاية الكثرة إذ لو جوز البول فيه لبال واحد بعد واحد، فيتغير من كثرة البول قاله ابن الملك. وقال النووي: وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة، فإن كان كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث، لكن الأولى اجتنابه، وإن كان قليلا جاريا فقيل: يكره. والمختار أنه يحرم ; لأنه ينجسه، وإن كان كثيرا راكدا فقال أصحابنا: يكره، ولو قيل: يحرم لم يكن بعيدا إذ ربما أدى إلى تنجسه بالإجماع لتغيره أو تنجسه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ومن وافقه في أن الغدير الذي يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر ينجس بوقوع النجاسة فيه، وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه، والصواب المختار أنه يحرم ; لأنه ينجسه، وقال أصحابنا وغيرهم: التغوط في الماء كالبول فيه بل أقبح، ذكره الطيبي. وقال ابن حجر: يكره قضاء الحاجة في الماء مطلقا بالليل خشية أن يؤذيه الجن لما قيل: إن الماء بالليل مأوى لهم. (رواه مسلم) .