وقد ألف في هذه المسألة شيخ الإسلام: العسقلاني - رحمه الله الباري تأليفا سماه: " قوت الحجاج في عموم المغفرة للحاج " رد فيه قول ابن الجوزي - رحمه الله - أن الحديث موضوع بأنه من رواية جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - وإنما غايته أنه ضعيف، ويعضد بكثرة طرقه.
وقد أخرج أبو داود في سننه طرفا منه، وسكت عليه فهو صالح عنده، وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي - رحمه الله - في الأحاديث المختارة مما ليس في [الصحيحين] . وقال البيهقي: له شواهد كثيرة، فإن صح شواهده، ففيه الحجة، فإن لم يصح، فقد قال - تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] وظلم بعضهم بعضا دون الشرك اه.
ولا يخفى أن الأحاديث الصحيحة الصريحة لا تكون إلا [ظنية] ، فما بالك بالأحاديث الضعيفة! ولا شك أن المسائل الاعتقادية لا تثبت إلا بالأدلة القطعية رواية ودراية، نعم، يغلب على الظن رجاء عموم المغفرة لمن حج حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وأين من يجزم بذلك في نفسه، أو غيره، وإن كان عالما أو صالحا في علو مقامه هنالك، فمن المعلوم أن غير المعصوم يجب أن يكون بين الخوف، والرجاء، فنسأل الله حسن الخاتمة المقرونة بقبول التوبة، وحسن العمل الموجب للمثوبة من غير سبق العقوبة.
[باب الدفع من عرفة والمزدلفة]
<span class="matn">(5) باب: الدفع من عرفة والمزدلفة
الفصل الأول
(2604) عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «سئل أسامة بن زيد: كيف كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص» . متفق عليه.
[5] باب: الدفع من عرفة
أي: الرجوع منها. (والمزدلفة) عطف على الدفع أي: والنزول فيها، وفي نسخة إلى المزدلفة، ويجوز عطفه على عرفة، أي: وباب الدفع من المزدلفة، ويؤيده نسخة: ومن المزدلفة إلى منى.
</span><span class="matn-hr"> </span>الفصل الأول
(2604) (وعن هشام بن عروة، عن أبيه) أي: عروة بن الزبير بن العوام، من كبار التابعين، وأحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة. (قال: سئل أسامة بن زيد) أي: خص بالسؤال لأنه كان رديفه - عليه الصلاة والسلام - من عرفة إلى المزدلفة. (كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في حجة الوداع حين دفع) أي: انصرف من عرفة، قيل: وإنما يستعمل الدفع في الإفاضة لأن الناس في مسيرهم ذلك يدفع بعضهم بعضا، وقيل: حقيقة دفع أي دفع نفسه عن عرفة ونحاها. (قال) أي: أسامة (كان يسير العنق) بفتحتين أي: السير السريع، وانتصابه على المصدرية انتصاب القهقرى، أو الوصفية أي: يسير السير العنق (فإذا وجد فجوة) بفتح، أي: سعة ومكانها خاليا عن المارة لوقوع الفرجة بين المارة، والفجوة: الفرجة بين الشيئين (نص) : بتشديد الصاد المهملة أي: سار سيرا أسرع، قيل: أصل النص الاستقصاء، والبلوغ إلى الغاية، أي: ساق دابته سوقا شديدا حتى استخرج أقصى ما عندها، قال الطيبي - رحمه الله: العنق: المشي، والنص فوق العنق، ولعل النكتة المبادرة، والمسارعة إلى العبادة المستقبلة، والطاعة. (متفق عليه) .
<span class="matn">2605 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما، أنه دفع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وراءه زجرا شديدا، وضربا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: " «يا أيها الناس، عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع» ". رواه البخاري.