بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الخلق والأخلاق والأرزاق والأفعال، وله الشكر على إسباغ نعمه الظاهرة والباطنة بالإفضال، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله المختص بحسن الشمائل، وعلى آله وأصحابه الموصوفين بالفواضل والفضائل، وعلى أتباعه العلماء العاملين بما ثبت عنه بالدلائل. (أما بعد) : فيقول أفقر عباد الله الغني الباري علي بن سلطان محمد القاري، لما كان موضوع علم الحديث ذات النبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنه نبي، وغايته الفوز بسعادة الدارين وهو نعت كل ولي، - ومعرفة أحاديثه صلى الله عليه وسلم أبرك العلوم وأفضلها. وأكثرها نفعا في الدارين وأكملها بعد كتاب الله عز وجل مع توقف معرفته على معرفتها ; لما فيها من بيان مجمله وتقييد مطلقه، ولأنها كالرياض والبساتين تجد فيها كل خير وبر وثمرة ونتيجة بطرقه، وقد قيل كما أن أهل القرآن أهل الله فأهل الحديث أهل رسول الله، وأنشد:
أهل الحديث هم أهل النبي وإن ... لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا.
ومن أحسن ما صنف في شمائله وأخلاقه صلى الله عليه وسلم كتاب الترمذي " المختصر الجامع " في سيره على الوجه الأتم بحيث إن مطالع هذا الكتاب كأنه يطالع طلعة ذلك الجناب. ويرى محاسنه الشريفة في كل باب. وقد ستر قبل العين أهدابه ولذا قيل. (والأذن تعشق قبل العين أحيانا) : وقد قال شيخ مشايخنا محمد بن محمد بن محمد الجزري قدس الله سره العلي.
أخلاي إن شط الحبيب وربعه ... وعز تلاقيه وناءت منازله
وفاتكم أن تبصروه بعينكم ... فما فاتكم بالعين هذي شمائله.
وللأديب محيي الدين عبد القادر الزركشي مضمنا لعجزي بيتين من قصيدة البهاء زهير وكتبها على الشمائل:
يا أشرف مرسلا كريما ... ما ألطف هذي الشمايل
من يسمع وصفها تراه ... كالغصن مع النسيم مايل.
ولبعضهم في هذا المعنى.
يا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشط مزاره
فلقد ظفرت من الحبيب بطائل ... إن لم تريه فهذه آثاره.
رزقنا الله طلوع حضرته وحضور طلعته الشريفة عند روضته المنيفة وحصول صورته الكريمة مناما وكشفا في الدنيا، ووصول رؤيته الحقيقة في العقبى منضمة إلى رؤية المولى على الوجه الأعلى والطريق الأغلى، أحببت أن أدخل في زمرة الخادمين بشرح ذلك الكتاب وأن أسلك في سلك المخدومين بهذا الباب ; رجاء دعوة من أولي الألباب، فإن الدعوة بظهر الغيب تستجاب، وسميته. (جمع الوسائل في شرح الشمائل) : فأقول وبالله التوفيق، وبحوله وقوته تمام التحقيق، قال المصنف مستعينا بذكر الملك المتعال، مقدما على كل مقال كما هو دأب أرباب الكمال.
(بسم الله الرحمن الرحيم) : أي باستعانة اسم المعبود بالحق الواجب الوجود المطلق المبدع للعالم المحقق أصنف هذا الكتاب إجمالا وأؤلف بين كل باب وباب تفصيلا وفي تأخير المتعلق إيماء لإفادة الاختصاص وإشعار باستحقاق تقديم ذكر اسمه الخاص لا سيما وما هو السابق في الوجود والفكر يستحق السبق في الذكر والفكر، ولذا قال بعض المحققين ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله وهو أعلى مرتبة وأغلى مقاما ممن قال: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله بعده أو معه، فإن الله تعالى كان ولم يكن معه شيء، وفي نظر أهل التوحيد هو الآن على ما عليه كان (والله) : اسم لذات الحق من حيث هي هي لا باعتبار اتصافه بالصفات، ولا باعتبار لا اتصافه ; ولذا قيل إن كل اسم للتخلق إلا الله فإنه للتعلق، وهو الاسم الأعظم على القول الأتم، ولكن يشترط لتأثيره أن تقول: الله. وليس في قلبك سواه.