تجهز إلى الأجداث ويحك والرمس ... جهازا من التقوى لأطول ما حبس
فإنك لا تدري إذا كنت مصبحا ... بأحسن ما ترجو لعلك لا تمسي
سأتعب نفسي كي أصادف راحة ... فإن هوان النفس أكرم للنفس
وأزهد في الدنيا فإن مقيمها ... كظا عنها ما أشبه اليوم بالأمس
الاستعداد لنزول الموت
قال الله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون. لعلى أعمل صلحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون. فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون.) إلى آخر السورة.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم غرز عودا بين يديه وآخر إلى جبينه وآخر أبعد منه فقال: " أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: " هذا الإنسان وهذا الأجل وهذا الأمل فيتعاطى الأمل فيلحقه الأجل دون الأمل ".
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل وهو يعظه: " اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " وكتب الإمام أبو حامد الغزالي إلى الشيخ أبي الفتح بن سلامة " قرع سمعي بأنك تلتمس مني كلاما وجيزا في معرض النصح والوعظ وإني لست أرى نفسي أهلا له فإن الوعظ زكاة نصابها الاتعاظ فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة وفاقد النور كيف يستنير به غيره ومتى يستقيم الظل والعود أعوج ".
وقد أوصى الله تعالى عيسى بن مريم عليهما السلام: يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: " تركت فيكم ناطقا وصامتا " فالناطق هو القرآن والصامت هو الموت وفيهما كفاية لكل متعظ ومن لم يتعظ بهما كيف يعظ غيره، ولقد وعظت نفسي بهما وقبلت وصدقت قولا وعملا وأبت وتمردت تحقيقا وفعلا فقلت لنفسي أما أنت مصدقة
بان القرآن هو الواعظ الناطق وأنه كلام الله المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فقالت: بلى فقلت لها قد قال الله تعالى: (من كان يريد الحياة للدنيا وزنتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيهالا يبخسون. أولئك الذين لبس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وبطل ما كانوا يعملون.).
فقد وعد الله بالنار على إرادة الدنيا وكل ما لا يصحب بعد الموت فهو من الدنيا فهل تنزهت عن حب الدنيا وإرادتها ولو أن طبيبا نصرانيا وعدك بالموت أو بالمرض على تناول ألذ الشهوات لتحاميتها واتقيت وأنفت منها، أفكان النصراني عندك أصدق من الله تعالى فإن كان كذلك فما أكفرك أم كان المرض أشد عليك من النار فإن كان كذلك فما أجهلك فصدقت فما انتفعت بل أصرت على الميل إلى العاجلة واستمرت ثم أقبلت عليها فوعظتها بالواعظ فقلت لها قد اخبر الناطق عن الصامت.
قال الله تعالى: (قل إن الموت الذي تفرون منه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون).
وقلت لها هبي أنك ملت إلى العاجلة أفلست مصدقة بأن الموت لا محالة يأتيك قاطعا عليك ما أنت متمسكة به وسالبا منك كل ما أنت راغبة فيه وأن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ما ليس بآت.
وقد قال الله تعالى: (أفرأيت إن متعناهم سنين. ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون).