بسم الله الرحمن الرحيم
النص المحقق
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونسأله الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فهذه رسالة مختصرة جمعها العلامة شيخ الإسلام البدر محمد بن محمد بن محمد بن الرضي الغزي الشافعي -طال بقاؤه- في فضيلة العلم والعالم والمعلم والمتعلم والمفتي والمستفتي وآداب كل منهم، ملخصا لها من مقدمة "شرح المهذب"1 لشيخ الإسلام المحيوي النووي2، ومن غيرها من الكتب المعتبرة، وسماها: بالدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد3، واختصرها كاتبها مسميا لها: بالعقد التليد في اختصار الدر النضيد، أو تسمى بالمعيد والمستفيد.
قال: ورتبتها على مقدمة وستة أبواب وخاتمة:
المقدمة: في الأمر بالإخلاص والصدق وإحضار النية.
الباب الأول: في فضيلة الاشتغال بالعلم وتعلمه وتعليمه ونشره وحضور مجالسه، وتحذير من أراد بعلمه غير الله، وتحذير من آذى عالما، وفيه ثلاثة فصول.
الباب الثاني: في أقسام العلم الشرعي، وهي ثلاثة، ومراتبه، وهي ثلاثة.
الباب الثالث: في آداب المعلم والمتعلم، وهو ثلاثة أنواع.
الباب الرابع: في آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، وهو أربعة أنواع.
الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها، وفيه فصلان.
الباب السادس: في الأدب مع الكتب وما يتعلق بتصحيحها وضبطها ووضعها وحملها وشرائها واستعارتها وغير ذلك، وفيه مسائل.
الخاتمة: في رقائق لطيفة مناسبة، وبالله التوفيق للعمل، والعصمة من الزلل.
المقدمة: في الأمر بالإخلاص والصدق وإحضار النية:
قال تعالى: {فاعبد الله مخلصا له الدين، ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 2، 3] والآيات في الأصلين كثيرة1، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات ... " الحديث2. قال الشافعي3 رضي الله عنه: يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه4. وقال هو وأحمد5: يدخل في هذا الحديث ثلث العلم6، قال البيهقي7: PageV01P035
معناه أن كسب العبد إنما يكون بقلبه ولسانه وبنانه1، فالنية أحد أقسام كسبه الثلاثة، وهي أرجحها لأنها تكون عبادة بإفرادها، بخلاف القسمين الباقيين، ولأن النية لا يدخلها فساد برياء ولا غيره بخلاف غيرها، وقيل: هو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام2 وقد أوصلها الإمام النووي إلى الأربعين حديثا وجمعها في أربعينيته3، وكان السلف وتابعوهم من الخلف يستحبون استفتاح المصنفات ونحوها بهذا الحديث، وبه استفتاح المصنفات ونحوها بهذا الحديث، وبه استفتح البخاري4 كتابه الجامع الصحيح5 تنبيها للمطالع على حسن النية، وقال صلى الله عليه وسلم: "نية المؤمن أبلغ من عمله" رواه البيهقي في الشعب6، وفي رواية الإحياء7: "نية المؤمن خير من عمله".
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مخبرا عن جبريل عن الله -جل وعلا- أنه قال: "الإخلاص سر من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي" 8 رواه PageV01P036
القشيري1 في الرسالة2 متصلا مسلسلا، وعرف الإخلاص فيها بأنه إفراد الحق تعالى في الطاعة بالقصد؛ أي: يريد بها التقرب إلى الله دون شيء آخر من الخلق من تصنع لهم أو محمدتهم أو محبتهم أو محبة مدحهم، وقال في تعريفه كلمات كثيرة، ونقولا غزيرة، وقال الفضيل بن عياض3: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما4، وقال السري5: لا تعمل للناس شيئا، ولا تترك لهم شيئا، ولا تغط لهم شيئا، ولا تكشف لهم شيئا، وقال الجنيد6: الإخلاص سر بين الله وبين العبد لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله.