المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.. PageV01P001
فإن شريحة من المسلمين تقوم بتكفير المسلمين الذين هم مثلهم، بحجة أن مسائل الاعتقاد لا تقبل الاجتهاد ولا تقبل الخلاف، وكل طائفة من هذه الطوائف تعتقد أنها على الحق وأنها هي الطائفة الناجية وان غيرها على الباطل، وهذا الاعتقاد يسهم إلى حد كبير في تعميق الخلاف بين المسلمين، والذي يبدأ بعدم الإقرار بالخلاف ثم بالتبديع والتفسيق إلى التكفير والقتل؛ لأنه -كما يزعمون-من بدل دينه فاقتلوه.
والحقيقة التي ينبغي أن يعتقد بها المسلمون جميعا بغض النظر عن فرقهم وتوجهاتهم ومدارسهم الفكرية، أن هناك مسائل في العقيدة لا يجوز الخلاف فيها لكونها ليست محلا للاجتهاد وهذه هي أصول العقيدة، ومسائل أخرى يجوز الخلاف فيها لكونها محلا للاجتهاد وهذه هي فروع الاعتقاد.
وانقسام العقيدة إلى أصول وفروع منصوص عليه،وتدل عليه نصوص كثيرة وأقوال للعلماء عديدة.
وإذا كانت نصوص الكتاب والسنة على ما هو معلوم؛ منها ما يقبل الخلاف والاجتهاد ومنها ما لا يقبلهما، ولا فرق بين هذه النصوص سواء أكانت تدل على مسائل علمية وهي مسائل العقيدة، أم كانت تدل على مسائل عملية وهي مسائل الفقه، والنصوص التي جاءت بفرضية الاجتهاد لا تفرق بين هذه النصوص أو تلك، وإذا كان الأمر كذلك فإنا نجد أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اجتهدوا في مسائل فروع الاعتقاد، واختلفت آراؤهم فيها من غير حدوث إنكار من بعضهم على بعضهم الآخر إلى حد التبديع أو التكفير أو القتل، وبقوا محافظين على وحدة كلمتهم واعتصامهم بحبل الله كما أمرهم الله بقوله: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون*واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } (103: آل عمران). ولم يقعوا فيما نهاهم عنه وحذرهم منه بقوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } (105:آل عمران) PageV01P002 وهكذا جمعوا بين الاختلاف في مسائل فروع الاعتقاد ووحدة الأمة ووحدة ولائها ووقوفها أمام أعدائها.
ولعل هذا البحث يسهم في إعادة تلك الصورة المشرقة من الاختلاف في الرأي مع وحدة القلوب والمواقف جمعا بين الأمر بالاجتهاد والأمر بالوحدة وعدم الاختلاف والنظر إلى المخالف على أنه معذور ومأجور وإن أخطأ في اجتهاده.
الدراسات السابقة:
لم أطلع على دراسة مستقلة تشير إلى مشروعية الاجتهاد في مسائل الاعتقاد، وإن كانت هناك نصوص تحدثت عن هذا الموضوع متفرقة في بطون الكتب كما سيظهر من خلال استعراض بعضها في ثنايا البحث.
منهجية الدراسة:
قامت الدراسة على المنهج العلمي القائم على الاستقراء والتحليل والاستنتاج، حيث قام الباحث:
-باستقراء الأدلة على مشروعية الاجتهاد في مسائل الاعتقاد، وتحليلها، واستنتاج هذه المشروعية منها.
-وعزو الآيات إلى مواضعها من السور، وتخريج الأحاديث النبوية، والحكم عليها حيث لزم الأمر.
إشكالية البحث: ما حكم الاجتهاد في مسائل الاعتقاد ؟ وهل هو نفس الحكم في مسائل الفقه ؟.
وهل في مسائل الاعتقاد ما يجوز الاجتهاد فيه وما لا يجوز كما هو الحال في مسائل الفقه ؟.