[خطبة الكتاب]
بسم الله الرحمن الرحيم
{قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57]
(قرآن كريم)
[خطبة الكتاب] الحمد لله الذي حمى من أجل رأفته بعباده وغيرته المنزهة عما لا يليق بجلال قدرته وكمال عزته حمى حومة الكبائر، والفواحش والمناهي والمفاسد والشهوات والملاهي والأهوية والقبائح والمعاصي بقواطع النصوص الزواجر، وآيات كتبه البحور الزواخر، ونواميس عدله القواصم القواهر، عن أن يلموا بذلك الحمى الوعرة سبله وآثاره المضرمة جحيمه وناره المحرقة وراده وزواره؛ إذا لم يخشوا من غضب رب الأرباب الموجب لمعالجتهم بعظيم العقاب والخلود في خزي الهوان والعذاب، ولم يطمعوا في المسارعة إلى سوابغ رحمته ورضاه، وأفضاله على كل من أطاعه بما يحبه ويتمناه، وتوفيقه إلى ما يبلغ إلى دار كرامته ومحياه، ولا آثروا تقديم مراده، ولا أعرضوا عما لا يرضيه في عباده، ولا أحرزوا قصب السبق في داري معاشه ومعاده.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أفوز بها بالحفظ من معاصيه القاطعة عن علي جنابه، وأتبوأ بالإخلاص فيها غرف قربه مع الكمل من أحبابه.
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي أمرنا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه، الذين صانهم الله عن أن يدنسوا صفاء صدقهم بدنس المخالفات، وأن يؤثروا على رضا الله ورسوله شيئا من قواطع الشهوات، وأن لا يتطلعوا إلا إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي في سائر الحالات، صلاة وسلاما دائمين بدوامه الأقدس عطرين بعبوق شذاه الأطيب الأنفس، وكذا على تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين الذي كما يدين كل أحد به
يدان، ويقال للعاصي هل جزاء العصيان إلا الخزي والهوان، وللمحسن هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ .
أما بعد: فإنه كان ينقدح في نفسي أثناء سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة مدة مديدة وأزمنة عديدة، أن أؤلف كتابا في بيان الكبائر وما يتعلق بها حكما وزجرا ووعدا ووعيدا، وأن أمد في تهذيب ذلك وتنقيحه وتوضيحه باعا طويلا مديدا، وأن أبسط فيه بسطا مفيدا، وأن أطنب في أدلته إطنابا حميدا، لكني كنت أقدم رجلا وأؤخر أخرى لما أنه ليس عندي مواد ذلك بأم القرى إلى أن ظفرت بكتاب منسوب في ذلك لإمام عصره وأستاذ أهل دهره الحافظ أبي عبد الله الذهبي فلم يشف الأوام، ولا أغنى عن ذلك المرام، لما أنه استروح فيه استرواحا تجل مرتبته عن مثله، وأورد فيه أحاديث وحكايات لم يعز كلا منها إلى محله مع عدم إمعان نظره في تتبع كلام الأئمة في ذلك وعدم تعويله على كلام من سبقه إلى تلك المسالك، فدعاني ذلك مع ما تفاحش من ظهور الكبائر وعدم أنفة الأكثر عنها في الباطن والظاهر، لما أن أبناء الزمان وإخوان اللهو والنسيان قد غلبت عليهم دواعي الفسوق والخلود إلى أرض الشهوات والعقوق، والركون إلى دار الغرور والإعراض عن دار الخلود، ونسيان العواقب وعدم المبالاة بالمعايب حتى كأنهم أمنوا عقاب الله ومكره، ولم يدروا أن ذلك الإمهال إنما هو ليحق عليهم قهره، إلى الشروع في تأليف يتضمن ما قصدته ويتكفل ببيان جميع ما قدمته، ويكون إن شاء الله في هذا الباب زاجرا أي زجر، وواعظا وآمرا أي واعظ وآمر، ومن ثم سميته: (الزواجر عن اقتراف الكبائر) وأرجو إن تم كما ذكرت أن ينفع الله به البادي والحاضر، وأن يجعله سببا لتطهير الباطن والظاهر، فهو حسبي ونعم الوكيل، وإليه أفزع في الكثير والقليل، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، ما شاء الله لا قوة إلا بالله.